تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الذي ليس معه إلا جنيه وهو يحتاج إليه ثم رأى واحدا في حاجة ماسة، فيقول المؤمن لنفسه: لقد أكلت، وقد يكون هذا الإنسان لم يأكل بعد فلأعطه الجنية. بالله أهو يحب الذي أخذ الجنيه عن نفسه؟ لا، بل هو يحب نفسه، لكنها أنانية عليا أنانية معلاة. وسبق أن قلنا: إن الذي يجلس ويرى امرأة جميلة فغض عينه أمره يختلف عن واحد آخر " يبحلق " ويحدق وينظر إليها بشدة، فايهما يحب الجمال أكثر؟ إن الذي غض بصره هو من يحب الجمال أكثر لأنه لا يريدها لحظة فقط، بل يريدها مستديمة. فما بالنا بالذي يبيع الدنيا ويقتل في سبيل الله ويأخذ الآخرة التي ليس فيها قتل أو أي شيء مكدر؟ إذن فهذه أنانية عليا، والحق سبحانه وتعالى يعاملنا بقانون النفعية، لكنها نفعية عليا وليست نفعية رخيصة أو قصيرة المدى، فيجعلنا نبيع الرخيص بالثمن الغالي. ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يقاتلون في سبيل الله وعرض عليه منظرهم وهو في ليلة الإسراء والمعراج رأى صلى الله عليه وسلم جماعة يزرعون ويحصدون بعد البذر مباشرة لأن الذي قتل في سبيل الله إنما فعل ذلك إعلاء لكلمة الله، فلا ينتهي قطفه أبدا للخير الذي بذله، وحياته مستمرة في حياة الملايين. ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74] وعرفنا أن كل مؤمن يقاتل في سبيل الله إنما يقول لمعسكر الكفر ما جاء به الحق في قوله:

قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون

[التوبة: 52]. فالمؤمن يعلم أنه إما أن يقتل ويكون شهيدا، وإما أن يغلب معسكر الكفر. وهو يتربص بالكافرين أن يصيبهم الله بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين، إذن فالمؤمنون رابحون على كل حال، والكافرون خاسرون على كل حال. و " المعرى " قبل أن يهديه الله وكان متشككا قال:

تحطمنا الأيام حتى كأننا

زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك

فقالوا: إنه ينكر البعث، فما دام قد جاء بمثل يقول فيه إن الإنسان كالزجاج إن تحطم فلن يستطيع أحد أن يعيده إلى سيرته الأولى، قال ذلك أيام تكبر الفكر، وهذه تأتي في أيام الغرور، ثم جاءت الأحداث لتلويه وتضرب في فكره وينتهي إلى الإيمان، لكن أكان ضامنا أن يعيش حتى يؤمن؟ فلماذا لم يخلص نفسه من مرارة تجربة الشك؟ ولكنه بعد أن آمن قال: " هأنذا أموت على عقيدة عجائز أهل نيسابور. ربنا حق وربنا سميع وربنا بصير وقال:

زعم المنجم والطبيب كلاهما

لا تحشر الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

أو صح قولي فالخسار عليكما

أي إن صح قولكما على أنه لا بعث وقمت أنا بالأعمال الطيبة في الدنيا، فماذا أكون قد خسرت؟ إنني لن أخسر شيئا، وإن صح قولي وفوجئتم بالآخرة والبعث فأنا الذي يكسب والخسران والبوار والعذاب عليكما، إذن فإيماني إن لم ينفعني فلن يضرني، وكلامكما حتى لو صح - وهو غير صحيح ولا سديد - لن يضرني. والحق يقول: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74] وسبحانه هنا يطيل أمد العطاء. انظروا دقة الأداء القرآني، لأن الذي يتكلم هو الله، ولنر كيفية ترتيب فعل على فعل، فحين أقول لك: " احضر لي أكرمك " ، فبمجرد الحضور يحدث الإكرام، ولكن إن قلت لك: " إن حضرت إلي فسأكرمك " ، فهذا يعني أن الزمن يمتد قليلا، فلن تكرم من فور أن تأتي بل أنت تحضر عندي وبعد ذلك تأخذ تحيتك، ويأتيك الإكرام بعد قليل. وإن أردت أنا أن أطيل الزمن أكثر فإني أقول: " إن حضرت إلي فسوف أكرمك ". إذن فنحن أمام ثلاث مراحل لترتيب الجزاء على الفعل: جزاء يأتي من فور حصول الشرط، وجزاء يأتي بعد زمن يسير تؤديه " السين " ، وجزاء يأتي بعد زمن أطول تؤديه. " سوف ". ولم يقل الحق: من يقاتل في سبيل الله نؤتيه أجرا عظيما، ولم يقل: فسنؤتيه أجرا عظيما، ولكنه قال: ﴿ فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74] وهذا القول سيبقى ليوم القيامة لذلك كان لا بد أن تأتي " سوف " هنا، وهذا دليل على أنه جزاء موصول لا مقطوع ولا ممنوع. وهكذا نرى إحكام الأداء القرآني، والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه وذاته، يأتي بأساليب كثيرة: فمرة يأتي بأسلوب الجمع، ونحن نقول، كما علمونا في النحو: " النون للتعظيم " كما في قوله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٣٩