تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9]. لم يقل: أنا أنزلت، فكل شيء يكون نتيجة فعل من أفعال الله. تأتيه " نون التعظيم " ، لأنه سبحانه حين يصنع شيئا لخلقه من متعة أو من نعيم، يريد صفات كثيرة: قدرة للإبراز، وعلما لترتيب النعمة، وتدبيرا وحكمة، وبسطا، فيقول هنا: ﴿ نؤتيه.. ﴾ [النساء: 74]، لأن الصفات تتكاتف لتعمل الخير، لكنه حين يتكلم عن ذاته مجردا عن الفعل. فسبحانه يتكلم بالوحدانية مثل قوله الحق:

إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني..

[طه: 14]. وكذلك قوله الحق:

وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى

[طه: 13]. فساعة يتكلم سبحانه عن ذاته فهو يتكلم بالوحدانية، ولا تقل بالإفراد تأدبا مع الله فليس له شريك أو مثيل، وحينما يتكلم سبحانه عن فعله يأتي بالجمع فيقول: " نحن " وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، مثلما حدث عند قراءة قول سبحانه وتعالى:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها..

[فاطر: 27]. لقد جاء الحق سبحانه في صدر الآية: ب

أنزل

[فاطر: 27] وكان يناسبها أن يأتي بعدها " أخرج " ، لكنه قال:

فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها..

[فاطر: 27] فلماذا هذه " مفردة " وتلك " جمع "؟ لأنه ساعة قال:

وأنزلنا من السمآء مآء..

[لقمان: 10] لم يكن لأحد من خلقه ولو بالأسباب فعل في إنزال المطر، لكن ساعة أن أنزل المطر، نجد واحدا قد حرث الأرض، وثانيا بذر، وثالثا روى الأرض، وكل ذلك من أسباب خلقه، فلم يهضم الله خلقه فقال: ﴿ أنزل من السمآء مآء ﴾ ثم بعد ذلك: أنا وخلقي بما أمددتهم ومنحتهم

فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها..

[فاطر: 27]. إذن فلا بد أن ننتبه إلى دلالة الكلمة حين تأتي بالمفرد وحين تأتي بالجمع. وقوله سبحانه: ﴿ نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74] يلفتنا إلى أن كل فعل إنما هو حدث يتناسب مع فاعله أثرا وقوة. فالطفل عندما يصفع آخر لا تكون صفعته في قوة الشاب أو قوة الرجل، فإذا كان الذي يعطي الأجر مثيلا لك فسيعطيك أجرا على قدره، لكن إذا كان من يعطي هو ربنا، فسيعطي الأجر على قدره، ولا بد أن يكون عظيما. والأجر هو الشيء المقابل للمنفعة. وهناك فرق بين الأجر والثمن فالثمن مقابل العين، أما الأجر فهو مقابل المنفعة، أنا اشتريت هذه، فهذا يعني أني دفعت ثمنا، لكن إن استأجرت شيئا فهو لصاحبه ولكن أخذته لأنتفع به فقط، وجزاء الحق لمن يقتل في سبيل الله أهو أجر أم ثمن؟، ونلتفت هنا أن الحق قد أوضح: أنا لم أثمن من قتل، بل نظرت لعمله، فأخذت أثر عمله، وأعطيته ﴿ أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74]. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٤٠