" اصبروا فإني لم أومر بالقتال ".
وبعد ذلك يؤمر بالقتال كي يدافع عن الخلية الإيمانية بعدما ذهبوا إلى المدينة، ونعلم أن القتال عملية ضرورية في الحياة.
فالحق سبحانه هو القائل:
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض..
[البقرة: 251]. وهو القائل:
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا..
[الحج: 40]. إذن فدفع الله بعض الخلق بالخلق أمر ضروري واقعي، وحين يعاب على الإسلام أمر القتال، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع هذا القتال فقد شرعه لأن قوى البغي هي التي تحول دون تطبيق منهج من مناهج العدالة المعروفة، ولا يستطيع أحد أن يجادل فيها. ولو لم يكن العدل قادما من السماء لما كان هناك منهج صالح يحكم الناس، فإذا أراد الله أن يصنع العدل بمنهج أنزله هو، فلماذا يأتي من يقف في الطريق ويقول للرسول: أنت جئت لكي ترغم الناس أن يؤمنوا بمنهجك؟! ويوضح الحق مسيرة الرسول أنه جاء لكي يثبت كرامة الإنسان فهو سيد الأجناس التي تحيط به، فالجماد مسخر، والنبات مسخر، والحيوان مسخر، وليس لأي منهم حرية في أن يقول: افعل ولا تفعل، فلا توجد إرادة ولا اختيار عند كل الأجناس إلا عند الإنسان فالحق هو القائل عن أمانة الاختيار.
فأبين أن يحملنها..
[الأحزاب: 72]. إذن فبأي شيء تميز الإنسان على هؤلاء الأجناس؟ تميز عليهم بالعقل، ومهمة العقل أن يختار بين البديلات، أما إذا كان هناك أمر ليس له بديل، فليس للعقل عمل فيه. ومثال ذلك: هناك مكان نريد أن نذهب إليه، فيوضح لك إنسان: لا يوجد إلا هذا الطريق، فهل تفكر أن تذهب عن طريق آخر؟ طبعا لا، إذن فالعقل لا عمل له إلا الاختيار بين البديلات، فإن لم يكن هناك بديل فلا عمل له. وإذا أراد العقل أن يختار بين البديلات ألا نضمن له حرية الاختيار أم نقيد حرية الاختيار لديه؟ إنك إن قيدت حرية الاختيار بالإكراه فقد أخذت النعمة التي أعطيتها له، وجعلته مقهورا مسخرا مكرها ولذلك فالمكره لا يكون له حكم على الأشياء بل هو مجبر ومسخر. وما دمت تقول: إن العقل هو الذي يختار بين البديلات، فلا بد أن يكون حق الاختيار موجودا، فإن كان في الإنسان عطب كأن يكون مجنونا، فلا اختيار له، وإن كان العقل موجودا لكنه لم ينضج بعد نقول أيضا: لا اختيار. إذن فلا بد أن يكون العقل موجودا وناضجا للاختيار بين البديلات، ويكون للإنسان حرية أن يختار، فإن لم يكن العقل موجودا فهو مجنون فلا تكليف له، والمجنون قد سلبه الله أعز ما أعطى للإنسان وهو العقل، لكن أعفاه الله أن يسأله أحد عن شيء، فيفعل ما يفعل دون سؤال، فلا تكليف لمجنون، فالتكليف إذن لصاحب العقل الناضج، وكذلك لا تكليف من قبل البلوغ. إذن فالإسلام جاء ليحمي كرامة الإنسان في حرية الاختيار، ويعرض عليك أمر الإيمان، فالذي حمل السيف، لم يحمله ليجبر أحدا على الإيمان، إنما ليرد كيد من أرادوا قهر الناس، والجزية إنما فرضت لإعفاء غير المسلمين من مسئولية القتال، ولو كان الإسلام يفرض الإيمان على الناس في البلاد التي فتحها لما وجدنا أتباع أي دين في البلاد التي دخلها الإسلام.
وهذه شهادة للمسلمين. إن الإسلام لم يجيء ليفرض دينا وإنما جاء ليحمي حرية اختيار الدين والذين يقولون: إن الإسلام جاء بالسيف نقول لهم: افهموا جيدا، لقد كان المؤمنون الأوائل ضعافا وظلوا على الضعف مدة طويلة، والبلاد التي فتحت بالإسلام ما زال فيها أناس غير المسلمين، وهذا دليل أن الإسلام جاء ليحمي حرية الاختيار:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. ثم نأتي لنقطة أخرى وهي أن الإسلام لم يأخذ الجزية إلا لأن غير المسلم سيستمتع بكل خيرات بلاد الإسلام، والمسلم يدافع وأيضا يدفع الزكاة والخراج. إذن فالمسألة عدالة منهج، وعلى ذلك يجب أن نفهم أن قول الحق: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74]. فالقتال إنما جاء حتى تسيطر مناهج السماء، وسبحانه حينما يقول: ﴿ فليقاتل في سبيل الله.. ﴾ [النساء: 74] فهذا يدلنا على أن هناك قتالا في غير سبيل الله، كأن يقاتل الرجل حمية، أو ليعلم مكانه من الشجاعة، فقال الرجل دائما حسب نيته، ولذلك تساءل بعض الناس: من الشهيد؟ قال العلماء: هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فيكون شهيدا، إذن فالقتال مرة يكون في سبيل الله ومرة يكون في سبيل النفس، ومرة يكون في سبيل الشيطان. يقول الحق: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.. ﴾ [النساء: 74] أي يبيعون الدنيا ليأخذوا الآخرة، ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 74]. إذن فالذي يدخل القتال هو أمام أمرين اثنين: إما أن يقتل من الأعداء، وإما إن ينتصر، وهذه هي القضية الجدلية التي تنشأ بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، والمقاتل من معسكر الإيمان يقول لمعسكر الكفر: أنا أقاتل لإحدى الحسنين: إما أن أقتل فأصبح شهيدا آخذ حياة أفضل من هذه الحياة، وإما أن أنتصر عليك، فلماذا تتربصون بنا أيها الكفار؟ إن المؤمن يثق أنه فائز بكل شيء فإن قتل ذهب إلى الجنة وإلى حياة أفضل من حياتكم، وإما أن ينتصر، والحالتان على سواء من الخير. وهذا للاستدلال بأن هذا المنهج يراق فيه الدم، وشهادة لهذا الدين بأنه صحيح، وإلا فلن يذهب أحد للقتال إن لم يكن مقتنعا بالدين، فكل واحد يعمل لحياته ونفسه، فكل الأمور بالنسبة للإنسان نفعيه حتى في الدين، ولذلك يقولون: لا تكن أنانيا رخيصا بل عليك أن تكون أنانيا غاليا، والدين هو ممارسة لأنانية عليا.