تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد ذلك قال: ﴿ وأولي الأمر.. ﴾ [النساء: 59] و ﴿ وأولي الأمر.. ﴾ [النساء: 59] هنا لم يتكرر لهم الفعل، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر لنفهم أن أولي الأمر لا طاعة لهم إلا من باطن الطاعتين: طاعة الله وطاعة الرسول، ونعلم أن الطاعة تأتي في أساليب القرآن بثلاثة أساليب:

أطيعوا الله والرسول..

[آل عمران: 32] و ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. ﴾ [النساء: 59]،

وأطيعوا الرسول..

[النور: 56] فقط. إذن فثلاثة أساليب من الطاعة: الأسلوب الأول: أطيعوا الله والرسول فأمر الطاعة واحد والمطاع هو الله والرسول. والأسلوب الثاني: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. والأسلوب الثالث: أطيعوا الرسول، نعم، فالتكليفات يأمر بها الحق سبحانه وتتأكد بحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعله أو تقريره، وهنا تكون الطاعة في الأمر لله وللرسول، أو أن الحق قد أمر إجمالا والرسول عين تفصيلا فقد أطعنا الله في الإجمال وأطعنا الرسول في التفصيل فتكون الطاعة لله، وتكون الطاعة للرسول، أو إن كان هناك أمر لم يتكلم فيه الله وتكلم الرسول فقط. وثبت ذلك بقول الحق:

من يطع الرسول فقد أطاع الله..

[النساء: 80]. وقوله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. إذن فهذه تثبت أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ملاحظ في التشريع: ملحظ يشرع فيه ما شرع الله تأكيدا له أو أن الله قد شرع إجمالا، والرسول عين تفصيلا. والأمثلة على ذلك: أن الله فرض علينا خمس صلوات، وفرض علينا الزكاة، وهذه تكليفات قالها ربنا والرسول يوضحها: النصاب كذا، والسهم كذا، إذن فنحن نطيع ربنا في الأمر إجمالا، ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، أو أن الأمر لم يتكلم فيه الله حكما، وإنما جاء من الرسول بتفويض من الله، ولذلك فإن قال لك أي إنسان عن أي حكم من الأحكام: هات دليله من القرآن ولم تجد دليلا من القرآن فقل له: دليل أي أمر قال به الرسول من القرآن هو قول الحق:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. هذا دليل كل أمر تكليفي صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد يقول قائل: هناك فارق بين الأمر الثابت بالسنة والفرض. نقول: لا تخلط بين السنة وهي الأمر الذي إن فعلته تثاب وإن لم تفعله لا تعاقب، والفرض الذي يجب على المكلف أن يفعله، فإن تركه أثم وعوقب على الترك، وهذا الفرض جاء به الحق وأثبته بالدليل كالصلوات الخمس وعدد الركعات في كل صلاة، فالدليل في الفرض هنا ثبت بالسنة وهذا ما يسمى سنية الدليل وهناك فرق بين سنية الحكم كأن يصلي المسلم قبل الظهر ركعتين وقبل الصبح ركعتين وفرضية الحكم كصلاة الصبح والظهر، إذن ففيه فرق بين الشيء الذي إن فعلته تثاب عليه وإن لم تفعله لا تعاقب عليه والشيء الذي يفرض عليك أداؤه، فإن تركته أثمت وعوقبت، وأما سنية الدليل فهي شرح ما جاءت به الفروض شرحا تطبيقيا ليتبعه المسلمون.

أما الأمر بطاعة أولي الأمر فقد جاءت بالعطف على المطاع دون أمر بالطاعة، مما يدل على أن طاعة ولي الأمر ملزمة إن كانت من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، وفي ذلك عصمة للمجتمع الإيماني من الحكام المتسلطين الذين يحاولون أن يستذلوا الناس بقول الله: ﴿ وأولي الأمر.. ﴾ [النساء: 59] ويدعون أن طاعتهم واجبة، يقول الواحد منهم: ألست ولي أمر؟. فيرد العلماء: نعم أنت ولي أمر ولكنك معطوف على المطاع ولم يتكرر لك أمر الطاعة، فدل ذلك على أن طاعتك واجبة إن كانت من باطن الطاعتين. فإن لم تكن من باطن الطاعتين فلا طاعة لك، لأن القاعدة هي " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ، هكذا قال أبو حازم لمسلمة بن عبد الملك حينما قال له: ألسنا ولاة الأمر وقد قال الله: ﴿ وأولي الأمر.. ﴾ [النساء: 59]. قال: ويجب أن نفطن أيضا إلى أنها نزعت في قوله سبحانه: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.. ﴾ [النساء: 59]. إذن فالحاكم المسلم مطالب أولا بأداء الأمانة، ومطالب بالعدل، ومطالب أيضا أن تكون طاعته من باطن طاعة الله وطاعة رسوله. فإن لم تكن فيه هذه الشروط، فهو حاكم متسلط. ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.. ﴾ [النساء: 59] إذن فالتنازع لا بد من أن يكون في قضية داخلة في نطاق مأمورات الطاعة، ويجب أن يكون لها مرد ينهي هذا التنازع ﴿ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. ﴾ [النساء: 59]. والذين يعرفون هذه الأحكام هم العلماء، فإن تنازع المحكوم مع الحاكم نذهب إلى العلماء ليبينوا لنا حكم الله في هذه المسألة، إذن فإن أريد ب ﴿ وأولي الأمر.. ﴾ [النساء: 59] الحاكم، نقول له: ﴿ فردوه إلى الله والرسول.. ﴾ [النساء: 59] أي على الحاكم أن يتبع ما ثبت عن الله والرسول، والحجة في ذلك هم العلماء المشتغلون بهذا الأمر، وهم الملاحظون لتنفيذ حكم الله بما يعرفونه عن الدين. والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا ذلك، يريد أن ينهي مسألة التنازع، لأن التنازع يجعل حركات الحياة متضاربة، هذا يقول بكذا وذلك يقول بكذا، فلا بد أن نرده إلى مرد أعلى، والحق يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠١٥