ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة..
[النساء: 109]. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. ﴾ [النساء: 58] لا بد أن نأخذه على أنه مطلب تكليفي من الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس ولا يخص المؤمنين يتعاملون به فيما بينهم، وإنما يشمل أيضا ما بين المؤمنين والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع بعض إن ارتضوا حكم رسول الله. ﴿ إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ﴾ [النساء: 58] وحين ترون تذييل آية بصفتين من صفات الحق أو باسمين من أسماء الحق، فلا بد أن تعلموا أن بين الصفتين أو بين الاسمين وبين متعلق الآية علاقة، وهنا يعلمنا الحق أنه سميع وبصير. بعد أداء الأمانة، والحكم بالعدل بين الناس، لأن الرسول شرح ذلك حين أمر من يقضي بين الناس أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه أي لا ينظر لواحد دون الثاني، ولا يكرم واحدا دون الآخر، فيسوي بين الاثنين وما دام سيسوي بين الاثنين، فلا بد أن تكون النظرة واحدة، والألفاظ واحدة.
روي أن يهوديا خاصم سيدنا عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى أمير المؤمنين عليا فقال: " قف يا أبا الحسن " فبدا الغضب على علي رضي الله عنه، فقال له عمر: " أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ فقال علي رضي الله عنه: " لا، لكني كرهت منك أن عظمتني في الخطاب فناديتني بكنيتي ولم تصنع مع خصمي اليهودي ما صنعت معي ". إذن فحين يقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري: " آس بين الناس في مجلسك ووجهك ". فلا بد أن يقوم بتلك التسوية كل حاكم أو محكم بين خصمين فلا يميز ولا يرفع خصما على خصمه. و " اللحظ " عمل العين. وهذا يحتاج إلى بصير، واللفظ يحتاج إلى أذن تسمع، أي إلى سميع، فقال: ﴿ إن الله كان سميعا بصيرا ﴾ [النساء: 58]. لماذا قدم سبحانه هنا سميعا على بصير؟ لأن ما يسمع فيه تعبير واضح، أما النظرة فلا يعرفها إلا من يلاحظ أنه ينظر بحنان وإكبار، وهل وجدت له سبحانه صفة السمع بعد أن وجد ما يسمعه، وهل وجدت له صفة البصر بعد أن وجد ما يبصره؟ أو أن صفة السمع أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقا يسمع منه، وأن صفة البصر أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقا ليبصر أفعالهم؟ إنه سبحانه قديم أزلا، موجود قبل كل موجود، وصفاته قديمة بقدمه. إذن ففيه فرق بين أن تقول: سميع وبصير، وسامع ومبصر، فأنت تكون سامعا إذا وجد بالفعل من يسمع، إذن فما معنى كلمة " سميع "؟ أن يكون المدرك على صفة يجب أن تدرك المسموع إن وجد المسموع وإن لم يوجد المسموع فهو ليس سامعا فقط، إنما هو سميع، وكذلك بصير. وأضرب المثل - ولله المثل الأعلى، وهو منزه عن كل تشبيه - الشاعر الذي يقول القصيدة، إنه قبلما يقول القصيدة كان شاعرا في ذاته وقال القصيدة بوجود ملكة الشعر في ذاته. والحق سبحانه وتعالى " غفار " قبل أن يخلق الخلق، أي أنه على صفة تدرك الأمر إن وجد، وهو غفار قبل أن يوجد الخلق ويرتكبوا ما يغفره، وهو " سميع بصير " أزلا. أي قبل أن يخلق الخلق الذين سينشأ منهم ما يبصر وينشأ منهم ما يسمع. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ يا أيها الذين آمنوا... ﴾.