إذن: فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، بدليل أن ربنا أوضح: أنه عندما يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم الجلد ليستمر الإحساس: ﴿ كلما نضجت جلودهم.. ﴾ [النساء: 56] أي: صارت محترقة احتراقا تاما وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد آخر لأديم عليهم العذاب لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن فالآية مست قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة في الإحساس تقول: يا بني آدم محل الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئا. لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل. ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. ﴾ [النساء: 56]. فتكون علة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب ويذيل الحق الآية: ﴿ إن الله كان عزيزا حكيما ﴾ [النساء: 56] والعزيز: هو الذي لا يغلب ولا تقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبدا، فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ساعتين فما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة!! نقول له: لا إن الذي يعذبك لا يغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، وسبحانه حكيم. فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا هو يستعمل جبروته بعدالة. وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ينس المقابل لكي يكون البيان للغايتين: غاية الملتزم وغاية المنحرف. ولذلك يقول الحق بعد ذلك: ﴿ والذين آمنوا... ﴾.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٠٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٠٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي