[محمد: 15]. ونحن نرى الأنهار، والحق يطمئننا هنا بأن أنهار الجنة ستختلف فهو سبحانه سينزع منها الصفة التي قد تعكر نهريتها فقد تقف مياه النهر وتصبح آسنة متغيرة، فيقول:
أنهار من مآء غير آسن..
[محمد: 15]، إذن: فهو يعطيني اسما موجودا وهو النهر، وكلنا نعرفه، لكنه يوضح: أنا سأنزع منه الأكدار التي تراها في النهر الحادث في الحياة الدنيا، وأيضا فأنهار الدنيا تسير وتجري في شق بين شاطئين، لكن أنهار الجنة سترى الماء فيها وليس لها شطوط تحجز الماء لأنها محجوزة بالقدرة، وستجد أيضا أنهارا من لبن لم يتغير طعمه. إن العربي كان يأخذ اللبن من الإبل ويخزنه في القرب، وبعد ذلك ترحل الإبل بعيدا إلى المراعي وإلى حيث تسافر، وعندما كان الأعرابي يحتاج إلى اللبن فلم يكن أمامه غير اللبن المخزن في القرب، ويجده متغير الطعم لكن لا يجد غيره لذلك يوضح الحق: سأعطيكم أنهارا من لبن في الجنة لم يتغير طعمه، ثم يقول:
وأنهار من خمر..
[محمد: 15] وهم يعرفون الخمر ولنفهم أنها ليست كخمر الدنيا لأنه يقول: " مثل ".. ولم يقل الحقيقة فقال: أنهار من خمر لكنها خمر
لذة للشاربين..
[محمد: 15]، وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة، بدليل أنك عندما ترى من يشرب كأس خمر.
. فهو يسكبه في فمه مرة واحدة! ليس كما تشرب أنت كوبا من مانجو وتتلذذ به، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقاته لأنه لاذع ومحمض وتغتال العقول وتفسدها. لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول. إذن: فحين يعطيني الحق مثلا للجنة، فهو ينفي عن المثل الشوائب، ولذلك نجد الأمثال تتنوع في هذا المجال فالعربي عندما كان يمشي في الهاجرة، ويجد شجرة " نبق " ويقال لها: " سدر " كان يعتبرها واحة يستريح عندها، ويجد عليها النبق الجميل، فهو يمد يده ليأكل منها لكنه قد يجد شوكا فيتفادى الشوك، وفي بعض الأحيان تشكه شوكة، وعندما لا يجد في هذا الشجر شوكا يقول: هنا " سدر مخضوض " أي: شجرة نبق لا شوك فيها، والحق يأتي بكل الآفات التي في الدنيا وينفيها عن جنة الآخرة.
وأنهار من عسل مصفى..
[محمد: 15] وكان العرب يأخذون العسل من الجبال فالنحل يصنع خلاياه داخل شقوق الجبال، وعندما كانوا يخرجون العسل من الجبال يجدون فيه رملا وحصى، فأوضح الحق: ما يعكر عليك العسل هنا في الدنيا أنا أصفيه لك هناك، ومع أنه مثل لكنه يصفيه أيضا، ولماذا مثل؟ لأنه ما دام نعيم الجنة
" لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر "
. فتكون لغة البشر كلها لا تؤدي ما فيها.. لكنه - سبحانه - يعطينا صورة مقربة، ويضرب الله المثل بالصورة المقربة للأشياء التي تتعالى عن الفهم ليقربها من العقل، ومثال ذلك عندما أراد سبحانه أن يعطينا صورة لتنوير الله للكون، وليس لنور الله الذاتي، بل لتنوير الله للكون، فيقول:
مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة..
[النور: 35]. إنه يعطينا مثلا مقربا لأن لغتك ليس فيها الألفاظ التي تؤدي الحقيقة، ولذلك يقول:
وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار..
[التوبة: 100]. وما دامت جنات ففيها شجر ملتف وعال، ونحن نعرف أن الشجر لا بد أن يكون في منطقة فيها مياه لذلك قال: ﴿ تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [النساء: 57]، ومرة يقول:
تجري تحتها الأنهار..
[التوبة: 100] لأن ما يجري تحتها قد يكون آتيا من مكان آخر، ويكون منبعها من مكان بعيد وتجري الأنهار تحت جنتك، وقد تظن أن بإمكان صاحب النبع أن يسدها على جنتك، فيشرح الحق: لا، هي جاءت من تحتها مباشرة. ويقول الحق عن أهل الجنة: ﴿ خالدين فيهآ.. ﴾ [النساء: 57] وهو سبحانه وتعالى يخاطب قوما شهدوا بعض النعيم في دنياهم من آثار نعمه عليهم، لكنهم شهدوا أيضا أن النعمة تزول عن الناس، أو شهدوا أناسا يزولون عن النعمة، فقال سبحانه عن جنة الآخرة: ﴿ خالدين فيهآ أبدا.. ﴾ [النساء: 57] فلا هي تزول عنهم ولا هم يزحزحون عنها.