لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال بلفظ واحد ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر الجواب الثاني، عن حديث ابن عباس هو أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع قبل ذلك واحدة. لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو يستعملونها نادرا. وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها. ومعنى قوله فأمضاه عليهم على هذا القول أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي. وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال معنى هذا الحديث عندي أنما تطلقون أنتم ثلاثا. كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿ الطلاق مرتان ﴾ البقرة 229 عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري، قال مقيده - عفا الله عنه - ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء. الجواب الثالث عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في باب من جعل الثلاث واحدة، عن الإمام الشافعي ما نصه قال الشافعي فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس علم ان كان شيئا فنسخ، فإن قيل فما دل على ما وصفت؟ قيل لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلاف. قال الشيخ ورواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل. قال الشافعي فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنه، قيل قد علمنا أن ابن عباس رضي الله عنهما يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلافه؟ اه محل الحاجة من البيهقي بلفظه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا.
فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله " باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ". وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿ الطلاق مرتان ﴾ البقرة 229 الآية. بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفا ما نصه ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به، وقال ابن أبي حاتم حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته لا أطلقك أبدا، ولا آويك أبدا، قالت وكيف ذلك؟ قال أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فأنزل الله عز وجل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ البقرة 229 قال فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم، ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا وقال هذا أصح، ورواه الحاكم في مشتدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال صحيح الإسناد. ثم قال ابن مردويه. حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من النصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال والله لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله عز وجل ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ البقرة 229 فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا تفسير هذه الآية اه من ابن كثير بلفظه. وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري - رحمه الله - ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري.