تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل فلا ينافي أنها توطأ في الدبر، فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجبا للرد. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به في تفسير قوله تعالى ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ البقرة 223 الآية، فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام. فاعلم أن من روي عنه جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها في الفرج من جهة الدبر، كما يبينه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن، قال ابن كثير في تفسير قوله ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ البقرة 223 ما نصه قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال وما التحميض؟ فذكر الدبر. فقال وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث. وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم، منه بلفظه، وقد علمت أن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ البقرة 223 لا دليل فيه للوطء في الدبر. لأنه مرتب بالفاء التعقيبية، على قوله ﴿ نسآؤكم حرث لكم ﴾ البقرة 223 ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي الفخذين، والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث. لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعا. والكلام في الجمع. لأن المراد بالإتيان في قوله ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ البقرة 223 الجماع والفارق موجود. لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم. وقد عرفنا من قوله ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا النسآء ﴾ البقرة 222 الآية، أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. وقال بعض العلماء معنى قوله ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ البقرة 222 أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه. لعارض الأذى وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ البقرة 222 يبينه ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا النسآء ﴾ البقرة 222 الآية. لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده. لأن ما نهى الله عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله ﴿ أمركم الله ﴾ البقرة 222، على النهي في قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ البقرة 222 والخلاف في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ معروف في الأصول، وقد أشار له في مراقي السعود بقوله

والنهي فيه غابر الخلاف أو أنه أمر بالائتلاف وقيل لا قطعا كما في المختصر وهو لدى السبكي رأى ما انتصر

ومراده بغابر الخلاف هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشيء، هل هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ يعني أن ذلك الخلاف أيضا في النهي عن الشيء هل هو عين الأمر بضده؟ أو ضد من أضداده إن تعددت؟ أو مستلزم لذلك؟ أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ وزاد في النهي قولين أحدهما أنه أمر بالضد اتفاقا. والثاني أنه ليس أمرا به قطعا، وعزا الأخير لابن الحاجب في مختصره وأشار إلى أن السبكي في جمع الجوامع ذكر أنه لم ير ذلك القول لغير ابن الحاجب. وقال الزجاج معنى ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو معتكفات. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ البقرة 222 يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٣