وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينا، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر. وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في الصحيح وكلها أسانيدها في غاية الجودة. ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي وعلي بن المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اه منه بلفظه. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه وقال الطبري معنى حديث أسامة " لا ربا إلا في النسيئة " إذا اختلفت أنواع البيع اه محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر. وقال في فتح الباري أيضا ما نصه. تنبيه وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله يعني البخاري، سمعت سليمان بن حرب يقول لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلا ولا بأس به يدا بيد، ولا خير فيه نسيئة. قلت وهذا موافق اه منه بلفظه. وعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضا بالأصل، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء. لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضا، فإن قيل هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ. إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جميعا بين الروايتين. فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثا آخر واردا في الجنسين، وتحريم النساء فيهما، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض. فالجواب على تسليم هذا بأمرين أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة. والثاني أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته. ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني فقلت هذا أمر لا يصح، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك علي أحد، فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال
" ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا "
، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا. وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضا، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
" الذهب بالذهب وزنا بوزن "
هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ له في صحيحه أيضا
" عن فضالة بن عبيد قال اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " لا تباع حتى تفصل "