27.15
قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا داوود وسليمان علما ﴾؛ أي أعطيناهما معرفة الدين وأحكام الشريعة، وقيل: علما بقضاء الطير والدواب وتسبيح الجبال، فقابلا تلك النعمة بالشكر، ﴿ وقالا الحمد لله الذي فضلنا ﴾؛ بالنبوة والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن والإنس، ﴿ على كثير من عباده المؤمنين ﴾.
27.16
قوله تعالى: ﴿ وورث سليمان داوود ﴾؛ أي ورث نبوته وعلمه وملكه، وذلك أنه كان لداود تسعة عشر إبنا ذكرا، فورث سليمان ملكه ومجلسه ومقامه ونبوته من بينهم.
وعن أبي هريرة قال: (نزل كتاب من السماء إلى داود عليه السلام مختوما، فيه عشر مسائل؛ أن اسأل ابنك سليمان عنهن، فإن أخرجهن فهو الخليفة من بعدك. قال: فدعا داود سبعين قسيسا وسبعين حبرا، وأجلس سليمان بينهم، وقال له: يا نبي الله؛ إنه نزل كتاب من السماء فيه عشر مسائل، أردت أن أسألك عنهن، فإن أنت أخرجتهن فأنت الخليفة من بعدي. فقال سليمان: لتسأل نبي الله عليه السلام عما الله يراه، وما توفيقي إلا بالله.
قال: أخبرني يا نبي: ما أبعد الأشياء؟ وما أقرب الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ وما القائمان؟ وما المختلفان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذم آخره؟
فقال سليمان: أما أقرب الأشياء فالآخرة، وأما أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء فجسد فيه روح، وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما القائمان فالسماء والأرض، وأما المختلفان فالليل والنهار، وأما المتباغضان فالموت والحياة، وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم على الغضب، وأما الأمر الذي إذا ركبه ذم آخره فالحدة على الغضب.
قال: ففك الختم فإذا هي هذه المسائل سواء على ما نزل من السماء. فقال القسيسون والأحبار: لن نرضى حتى نسأله عن مسألة، فإن هو أخرجها فهو الخليفة من بعدك. فقال سليمان: سلوني وما توفيقي إلا بالله، قالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح كل شيء منه؟ وإذا فسد فسد كل شيء منه؟ قال: هو القلب؛ إذا صلح صلح كل شيء منه، وإذا فسد فسد كل شيء منه. قالوا: صدقت! أنت الخليفة من بعده. ودفع إليه داود قضيب الملك، ومات من الغد).
وعن محمد بن جعفر عن أبيه قال: (أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، وأعطي علم كل شيء، ومنطق كل شيء).
وقوله تعالى: ﴿ وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ﴾؛ صوت منه. قال الفراء: (منطق الطير: معنى كلام الطير، جعله كمنطق الرجل إذا فهم). قال مقاتل: (كان سليمان جالسا إذ مر به طائر، فقال لجلسائه: هل تدرون ما قال هذا الطائر؟ قالوا: لا، قال: إنه قال لي: السلام عليك أيها الملك المسلط على بني إسرائيل. ومر سليمان ذات يوم على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه ويصيح، فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله أعلم! قال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء).
وعن الكلبي قال: (صاح ورشان عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا! قال: إنه يقول: لدو للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة عند سليمان؛ فقال: إنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا. وصاح هدهد فقال: إنه يقول: كما تدين تدان، وصاح طاووس عنده؛ فقال: إنه يقول: من لا يرحم لا يرحم. وصاح صرد عنده؛ فقال: إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين. وصاح خطان عنده، فقال: إنه يقول: قدموا خيرا تجدوه. وهدرت حمامة؛ فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملئ سماواته وأرضه. وصاح قمري؛ فقال: إنه يقول: سبحان ربي القدوس. وصاح باز فقال: إنه يقول: سبحان ربي وبحمده. والضفدع يقول: كل شيء هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم. والحدأة تقول: سبحان المذكور بكل لسان).