وقرئ ﴿ من سبإ ﴾ بالتنوين قال الزجاج: (من لم يصرفه فلأنه اسم مدينة تعرف من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، ومن صرفه؛ فلأنه اسم البلد، ويكون مذكرا سمي به مذكر). وفي الحديث:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبإ، فقال: " كان رجلا له عشرة من البنين، تيامن منهم ستة، وتشام أربعة... "
وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله تعالى.
قرأ عاصم ويعقوب (فمكث) بفتح الكاف، وقراءة العامة بضم الكاف، وهما لغتان.
27.23
قوله تعالى: ﴿ إني وجدت امرأة تملكهم ﴾؛ واسمها بلقيس بنت الشرح، وقيل: شراحيل بن ذي جدن، وكان ملكا عظيم الشأن، وكان قد ملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الآفاق: ليس أحد منكم كفؤ لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" كان أحدهم يؤتى بلقيس جنيا "
فلما مات أبوها ولم يخلف أحدا غيرها طمعت في الملك، فطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون، واختاروا عليها رجلا فملكوه عليهم، فافترقوا فرقتين، كل فرقة منهم استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثم إن هذا الملك الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد أصحابه أن يخرجوه فلم يقدروا، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها إلى ذلك، وقال: ما منعني أن أبدأك بالخطبة إلا اليأس منك، فقالت: إني راغبة إليك لأنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي فاخطبني إليهم، فجمعهم فخطبها إليهم فقالوا: لا نراها تفعل هذا، قال: إنها هي التي ابتدأتني، فذكروا لها ذلك، فقالت: نعم؛ لأجل الولد، ولم أزل كنت كارهة لذلك، فالآن قد رضيت، فزوجوها منه.
فلما زفت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على رأس دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت أحق بهذا الملك من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته، ولكن عم فساده وأخذتني الحمية حتى فعلت ما فعلت، فملكوها فأسست أمرها.
قوله تعالى: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾؛ قال عطاء: (من زينة الدنيا من المال والجنود)، ﴿ ولها عرش عظيم ﴾ ، أي سرير من ذهب طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا مضروب بالذهب مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر. قال مجاهد: (وكان تحتها اثنا عشر ألف قيل - والقيل بلغة اليمن - تحت يدي كل قيل ألف مقاتل). وقيل: كان سريرها له أربع قوائم: قائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من زمرد، وقائمة من در، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبيات لكل بيت باب مغلق.