في آخر أيامه، فقد حدثني رشيق الموساي الخادم، وما رأيت خادما أعقل منه ولا أكتب يدا، قال: كنا في مجلس صاعد، فسأل عن رجل فقال أبو الصقر: قد كان أنفي- يريد نفي- فقال ابن ثوابة: في الخر، فسمعها فقال أبو الصقر: كيف نكلم من حقه أن يشد ويحد؟! فقال ابن ثوابة: من جهلك أنك لا تعلم أن من يشد لا يحد، ومن يحد لا يشد، ثم ضرب الدهر من ضربه فرأيت ابن ثوابة قد دخل إلى أبي الصقر بواسط فوقف بين يديه ثم قال: أيها الوزير لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين
(يوسف: 91) فقال له أبو الصقر لا تثريب عليكم
(يوسف: 92) يا أبا العباس، ثم رفع مجلسه وقلده طساسيج بابل وسورا وبربسما، فضاعف وزاد في الدعاء له، فما زال واليا إلى أن توفي في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، هكذا ذكر الصولي، والأول منقول من كتاب محمد بن إسحاق، وهذا أولى بالصواب.
قال الصولي [1] وحدثني الحسين بن علي الكاتب قال: كان أبو العيناء في جملة أبي الصقر، قال: وكان يعادي ابن ثوابة لمعاداة أبي الصقر، فاجتمعا في مجلس بعقب ما جرى بين أبي الصقر وبين ابن ثوابة في مجلس صاعد فتلاحيا، فقال له ابن ثوابة: أما تعرفني؟ قال: بلى أعرفك ضيق العطن، كثير الوسن، قليل الفطن، خارا على الذقن، قد بلغني تعديك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم ير عزا فيذله، ولا علوا فيضعه، ولا حجرا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله وسهك دمك أن يسفكه، فقال له: اسكت فما تساب اثنان إلا غلب الأمهما، قال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر، فأسكته.
ومن «كتاب الوزراء» لهلال بن المحسن، حدث علي بن سليمان الأخفش قال [2] ذكر لي المبرد أنه كان في يوم نوبة له عند أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة حين دخل عليه غلامه وفي يده رقعة البحتري، فقرأها أبو العباس ووقع فيها توقيعا خفيفا وأمر باصلاحها، فأصلحت وأعيدت إليه، قال المبرد: فرمى بها إلي فإذا فيها [3] :