فقال لي يوما: أحب أن تصنف لي كتابا لطيفا في أنساب الطالبيين لأنظر فيه فلا أحب أن أموت «1» جاهلا به، فقلت له: أتريده مشجرا أم منثورا؟ فقال: المشجر لا ينضبط بالحفظ، وأنا أريد شيئا أحفظه، فقلت له: السمع والطاعة، ومضيت وصنفت له الكتاب الذي سميته ب «الفخري» وحملته وجئته به، فلما وقف عليه نزل عن طراحته وجلس على الحصير وقال لي: اجلس على هذه الطراحة، فأعظمت ذلك وهبته «2» ، فانتهرني نهرة [عظيمة] مزعجة وزعق في قائلا «3» : اجلس بحيث أقول لك، فتداخلني علم الله من هيبته ما لم أتمالك إلا أن جلست حيث أمرني، ثم أخذ يقرأ علي ذلك الكتاب وهو جالس بين يدي ويستفهمني عما يستغلق عليه إلى أن أنهاه قراءة، فلما فرغ من قراءته «4» قال: اجلس الآن حيث شئت، فإن هذا علم أنت أستاذي فيه، وأنا أستفيد منك وأتتلمذ لك، وليس من الأدب أن يجلس التلميذ إلا بين يدي الأستاذ، فقمت من مقامي «5» ، وجلس هو في منصبه، ثم أخذت أقرأ عليه وأنا جالس بحيث كان أولا، وهذا لعمري من حسن الأدب حسن ولا سيما من مثل ذلك الرجل العظيم المرتبة.
[239] إسماعيل الضرير النحوي أبو علي
: لا أعرف من أمره الا ما ذكر أن رجلا سأل إسماعيل الضرير النحوي عن أبي القاسم علي بن أحمد بن الفرج بن الحسين بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء، وزير القائم: كيف ترى رئيس الرؤساء في النحو؟
فقال: يتكلم فيه بكلام أهل الصنعة، وسئل رئيس الرؤساء عن إسماعيل فقال: ما أرى مفتوح القلب في النحو إلا هذا المغمض العينين.