الآخرون فلم نعرف عنهم عداء ولا ولاء لفرنسة.
ثم كتب رجل من دروز لبنان اسمه الدكتور سعيد طليع كان من أعضاء
المؤتمر السوري العام بدمشق مقالة رد بل تهكم بمقال المنار ونشرها في جريدة
الأهرام على إثر كلام أغضبه مني في الإسكندرية ظن خطأ أنني قصدت إهانته فيه،
سبقه غضبات كانت في دمشق، بعضها في المؤتمر إذ تكرر أن منعته من الكلام في
بعض المسائل منعا قانونيا، فظن أنني تعمدت التحامل وتقديم غيره عليه وكنت
أظن أنه نسيها؛ لأنني وكدت له القول بأن ظنه كان من الإثم، على أنه من شيعة
الملك فيصل إذ لم يبلغني أن أحدا من أعضاء المؤتمر ذهب إلى لقاء فيصل في
اليوم الذي كان ينتظر أن يجيئه فيه جميع الأعضاء بمكتوبات خطية سرية يبينون
فيها رأيهم في إنذار الجنرال غورو؛ لأن الدعوة بثت ليلا وصباحا بأن لا يكتب
إليه أحد، وقد جاءني الدكتور طليع هذا بعد ذلك اليوم الموعود إلى الدار بدمشق،
وكان من أكثر الأعضاء مودة لي، وأخبرني أنه كان عند الملك وأنه وجده مستاء
جدا؛ لأنه كان منتظرا من أول النهار إقبال أعضاء المؤتمر عليه بما وعدوا من
الكتابة إليه بآرائهم ولم يجئ أحد ولا الرئيس الذي كان يجيء في مثل هذا اليوم
عادة (وهو يوم أحد) وقال الدكتور طليع إنه ينتظر ذهابك إليه فيحسن أن تذهب
وتسليه، فقلت: حقا إنني بعد اشتغالي برياسة المؤتمر قصرت زيارتي له على يومي
الجمعة والأحد لعدم عقد الجلسات العامة فيهما (وكنت أزوره صباح كل يوم)
ولكنني بعد أن رأيت منه ما رأيت من احتقار الأمة عزمت على ألا أزوره إلا
بدعوة رسمية.
وإذ نحن في الحديث جاءني رسوله يقول: إن جلالة الملك ينتظرك، فذهبت
إليه فرأيته واجما مغموما، وسألني: ما بال أعضاء المؤتمر قد أخلفوا موعدي ولم
يأتوني بآرائهم في الأزمة الحاضرة مكتوبة، وقد ظللت منتظرا لهم النهار بطوله؟
قلت: إنني علمت منذ خرجنا من هنا أنهم عازمون على عدم إجابة اقتراحكم الذي
ساءهم جدا؛ لأنهم عدوه متضمنا للطعن فيهم بالجبن والمداهنة للعامة فيما يبدونه في
المؤتمر، قال: لكنهم أظهروا استحسان الاقتراح وقبوله، قلت: إن الجمهور سكتوا
واجمين، وإنما صفق واحد منهم للاقتراح، ولما خرجوا صاروا يتناجون بينهم بأن
هذه مكيدة يراد إيقاعهم بها ويتواصون بعدم الوقوع في شركها.
والظاهر أنه لم يذهب إليه إلا الدكتور سعيد بك طليع وأنه لم يذهب إليه إلا
وقد كتب إليه ما يحب وهو إجابة الجنرال غورو بقبول إنذاره.
لم يكن ما كتبه الدكتور طليع بالذي يستحق أن يعنى به ويرد عليه؛ لأنه
دعاوى زور وإفك وبهتان اختلق ليبنى عليه ما يشفي غيظ الكاتب من التهكم
والإزراء، ويتقرب به إلى أولئك الملوك والأمراء، وليس نقدا صحيحا ولا قصد
به بيان حقيقة، ولذلك نشر في جريدة يومية سياسية ولم يرسل إلى المنار.
وإنني مع ذلك قد رددت عليه ونشرت الرد في جريدة الأهرام لغرضين،
أهمهما إطلاع من لا يقرأ المنار من قراء الأهرام على حقيقة المسألة العربية التي
يهتم جميع المسلمين وكثير من سائر الشعوب بأمرها، ولذلك نشرت مقالتنا جرائد
الهند الإسلامية والإنكليزية والوثنية، وثانيهما إعلام من ذكر من قراء الأهرام بما
افتراه الكاتب على المنار، وقراء المنار في غنى عن ذلك.
على أنني ألخص تلك الدعاوى والأكاذيب فأقول:
(أولها) : إنكار قولي أنه لم يوجد في الأمة العربية في فرصة هذه الحرب
زعماء يجمعون كلمتها ويوحدون قواها لحفظ استقلالها كما وجد في الترك مصطفى
كمال باشا وأنصاره من كبار القواد والسياسيين ودعواه: (أن الزعامة الطبيعية
توفرت في جلالة الملك حسين إلخ.
(ثانيها) : افتراؤه علي بأنني قلت: إنني أشرت على الملك حسين بأن
يحارب الاتحاديين، وقد سبق للمنار ذكر هذه الفرية في الرد على جريدة القبلة من
الجزء التاسع بعد الرد عليها في الأهرام منذ أشهر.