2.101
﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ﴾ كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿ نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ﴾ يعني التوراة، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات. وقيل ما مع الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن.
﴿ وراء ظهورهم ﴾ مثل لإعراضهم عنه رأسا، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه. ﴿ كأنهم لا يعلمون ﴾ أنه كتاب الله، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عنادا. واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله: ﴿ بل أكثرهم لا يؤمنون ﴾. وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمراد وفسوقا، وهم المعنيون بقوله:
نبذه فريق منهم
[البقرة: 100] وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون. وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية عالمين بالحال، بغيا وعنادا وهم المتجاهلون.
2.102
﴿ واتبعوا ما تتلوا الشيطين ﴾ عطف على نبذ، أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها، أو تتبعها الشياطين من الجن، أو الإنس، أو منهما. ﴿ على ملك سليمن ﴾ أي عهده، وتتلو حكاية حال ماضية، قيل: كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان عليه السلام حتى قيل: إن الجن يعلمون الغيب، وأن ملك سليمان تم بهذا العلم، وأنه تسخر به الجن والإنس والريح له. ﴿ وما كفر سليمن ﴾ تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيا كان معصوما منه. ﴿ ولكن الشياطين كفروا ﴾ باستعماله، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي و ﴿ لكن ﴾ بالتخفيف، ورفع ﴿ الشيطين ﴾. ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ إغواء وإضلالا، والجملة حال من الضمير، والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس. فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحرا عمل التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه. ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ عطف على السحر والمراد بهما واحد، والعطف لتغاير الاعتبار، أو المراد به نوع أقوى منه، أو على ما تتلو. وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزا بينه وبين المعجزة. وما روي أنهما مثلا بشرين، وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها: زهرة، فحملتهما على المعاصي والشرك، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر. وقيل: رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده قراءة الملكين بالكسر. وقيل: ما أنزل نفي معطوف على ما كفر سليمان تكذيب لليهود في هذه القصة. ﴿ ببابل ﴾ ظرف، أو حال من الملكين، أو الضمير في أنزل والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة. ﴿ هروت ومروت ﴾ عطف بيان للملكين، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا. ومن جعل ما نافية أبدلهما من الشياطين بدل البعض، وما بينهما اعتراض. وقرىء بالرفع على هما ﴿ هروت ومروت ﴾. ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ فمعناه على الأول ما يعلمان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به.