﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ﴾ يعني ما أوحي إليه، وسماه روحا لأن القلوب تحيا به، وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي. ﴿ ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيمن ﴾ أي قبل الوحي، وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع. وقيل المراد هو الإيمان بما لا طريق إليه إلا السمع. ﴿ ولكن جعلنه ﴾ أي الروح أو الكتاب أو الإيمان. ﴿ نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ﴾ بالتوفيق للقبول والنظر فيه. ﴿ وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم ﴾ هو الإسلام، وقرىء « لتهدى» أي ليهديك الله.
﴿ صرط الله ﴾ بدل من الأول. ﴿ الذى له ما فى السموات وما في الأرض ﴾ خلقا وملكا. ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾ بارتفاع الوسائط والتعلقات، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين. عن النبي صلى الله عليه وسلم
" من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له ".
43 - سورة الزخرف
43.1-14
مكية وقيل إلا قوله: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا وآيها تسع وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ حم ﴾ ﴿ والكتب المبين ﴾ ﴿ إنا جعلنه قرءانا عربيا ﴾ أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام:
وثناياك أنها إغريض
ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة، أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تفهموا معانيه.
﴿ وإنه ﴾ عطف على انا، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر على الاستئناف. ﴿ فى أم الكتب ﴾ في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية، وقرىء أم الكتاب بالكسر. ﴿ لدينا ﴾ محفوظا عندنا عن التغيير. ﴿ لعلي ﴾ رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها. ﴿ حكيم ﴾ ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره. وهما خبران لأن ﴿ وفى أم الكتب ﴾ متعلق ب ﴿ لعلي ﴾ واللام لا تمنعه، أو حال منه و ﴿ لدينا ﴾ بدل منه أو حال من ﴿ أم الكتب ﴾.
﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحا ﴾ أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، قال طرفة:
اضرب عنك الهموم طارقها
ضربك بالسيف قونس الفرس
والفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب ﴿ عنكم الذكر ﴾ ، و ﴿ صفحا ﴾ مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين، وأصله أن تولي الشيء صفحة عنقك. وقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفا ويؤيده أنه قرىء «صفحا» بالضم، وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين، والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه. ﴿ أن كنتم قوما مسرفين ﴾ أي لأن كنتم، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض عنهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي ﴿ إن ﴾ بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالا لهم، وما قبلها دليل الجزاء.
﴿ وكم أرسلنا من نبي فى الأولين ﴾ ﴿ وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون ﴾ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه.
﴿ فأهلكنا أشد منهم بطشا ﴾ أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبرا عنهم. ﴿ ومضى مثل الأولين ﴾ وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين.
﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ﴾ لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالا أقيم مقامه تقريرا لإلزام الحجة عليهم، فكأنهم قالوا «الله» كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات، ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف ﴿ الذى جعل لكم الأرض مهدا ﴾ فتستقرون فيها وقرىء غير الكوفيين «مهادا» بالإلف.