2.174
﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب ويشترون به ثمنا قليلا ﴾ عوضا حقيرا. ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ إما في الحال، لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقوله:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
يعني الدية. أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار. ومعنى في بطونهم: ملء بطونهم. يقال أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه كقوله:
كلوا في بعض بطنكمو تعفوا
﴿ ولا يكلمهم الله يوم القيمة ﴾ عبارة عن غضبه عليهم، وتعريض بحرمانهم حال مقابليهم في الكرامة والزلفى من الله. ﴿ ولا يزكيهم ﴾ لا يثني عليهم. ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ مؤلم.
2.175
﴿ أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى ﴾ في الدنيا. ﴿ والعذاب بالمغفرة ﴾ في الآخرة، بكتمان الحق للمطامع والأغراض الدنيوية. ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غيره مبالاة. وما تامة مرفوعة بالابتداء، وتخصيصها كتخصيص قولهم.
شر أهر
ذا ناب
أو استفهامية وما بعدها الخبر، أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.
2.176-177
﴿ ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق ﴾ أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان. ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتب ﴾ اللام فيه إما للجنس، واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعض. أو للعهد، والإشارة إما إلى التوراة، واختلفوا بمعنى تخلفوا عن المنهج المستقيم في تأويلها، أو خلفوا خلال ما أنزل الله تعالى مكانه، أي حرفوا ما فيها. وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم سحر، وتقول، وكلام علمه بشر، وأساطير الأولين. ﴿ لفي شقاق بعيد ﴾ لفي خلاف بعيد عن الحق.
﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ ﴿ البر ﴾: كل فعل مرض، والخطاب لأهل الكتاب فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد الله تعالى عليهم وقال: ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ، ولكن البر ما بينه الله واتبعه المؤمنون. وقيل عام لهم وللمسلمين، أي ليس البر مقصورا بأمر القبلة، أو ليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها، وقرأ حمزة وحفص ﴿ البر ﴾ بالنصب ﴿ ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملئكة والكتب والنبيين ﴾ أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن، ويؤيده قراءة من قرأ ولكن «البار». والأول أوفق وأحسن. والمراد بالكتاب الجنس، أو القرآن. وقرأ نافع وابن عامر ﴿ ولكن ﴾ بالتخفيف ورفع ﴿ البر ﴾. ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ أي على حب المال، قال عليه الصلاة والسلام لما سئل أي الصدقة أفضل قال:
" أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، وتخشى الفقر "
وقيل الضمير لله، أو للمصدر. والجار والمجرور في موضع الحال. ﴿ ذوي القربى واليتمى ﴾ يريد المحاويج منهم، ولم يقيد لعدم الالتباس. وقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم أفضل كما قال عليه الصلاة والسلام:
" صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك اثنتان، صدقة وصلة "
﴿ والمسكين ﴾ جمع المسكين وهو الذي أسكنته الخلة، وأصله دائم السكون كالمسكير للدائم السكر. ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر، سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريق. وقيل الضيف لأن السبيل يرعف به. ﴿ والسائلين ﴾ الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، وقال عليه السلام:
" للسائل حق وإن جاء على فرسه "
﴿ وفي الرقاب ﴾ وفي تخليصها بمعاونة المكاتبين، أو فك الأساري، أو ابتياع الرقاب لعتقها. ﴿ وأقام الصلاة ﴾ المفروضة. ﴿ وآتى الزكاة ﴾ يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله: ﴿ وآتى المال ﴾ الزكاة المفروضة، ولكن الغرض من الأول ببيان مصارفها، ومن الثاني أداؤها والحث عليها. ويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقا كانت في المال سوى الزكاة.