تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.67

﴿ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ أول هذه القصة قوله تعالى:

وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها

[البقرة: 72] وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلالها بنوع آخر من مساويهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال. وقصته: أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه، وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله. ﴿ قالوا أتتخذنا هزوا ﴾ أي مكان هزؤ، أو أهله ومهزوءا بنا، أو الهزؤ نفسه لفرط الاستهزاء استبعادا لما قاله واستخفافا به، وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع بالسكون، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واوا. ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين ﴾ لأن الهزؤ في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذه استفظاعا له.

2.68

﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ﴾ أي ما حالها وصفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن ﴿ ما ﴾ يسأل به عن الجنس غالبا، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله. ﴿ قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ﴾ لا مسنة ولا فتية، يقال فرضت البقرة فروضا من الفرض وهو القطع، كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للأولية ومن البكرة والباكورة.

﴿ عوان ﴾ نصف. قال: نواعم بين أبكار وعون.

﴿ بين ذلك ﴾ أي بين ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه بين، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد، وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه عليه الصلاة والسلام «لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم». وتقريعهم بالتمادي وزجرهم على المراجعة بقوله: ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ أي ما تؤمرونه، بمعنى تؤمرون به من قولهم: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به، أو أمركم بمعنى مأموركم.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٧٤