تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.84

﴿ وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ديركم ﴾ على نحو ما سبق والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والإجلاء عن الوطن. وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه، لاتصاله به نسبا أو دينا، أو لأنه يوجبه قصاصا. وقيل معناه: لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة، ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم، فإنه الجلاء الحقيقي ﴿ ثم أقررتم ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ توكيد كقولك. أقر فلان شاهدا على نفسه. وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم، فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا.

2.85

﴿ ثم أنتم هؤلاء ﴾ استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار به والشهادة عليه. وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقصون، كقولك أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا، نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات، وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضورا وباعتبار ما سيحكي عنهم غيبا. وقوله تعالى: ﴿ تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم ﴾ إما حال والعامل فيها معنى الإشارة، أو بيان لهذه الجملة. وقيل: هؤلاء تأكيد، والخبر هو الجملة. وقيل بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وقرىء ﴿ تقتلون ﴾ على التكثير. ﴿ تظهرون عليهم بالإثم والعدون ﴾ حال من فاعل تخرجون، أو من مفعوله، أو كليهما. والتظاهر التعاون من الظهر. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التاءين. وقرىء بإظهارها، وتظهرون بمعنى تتظهرون ﴿ وإن يأتوكم أسرى تفدوهم ﴾ روي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإجلاء أهلها، وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. وقيل معناه: إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدوا لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾. وقرأ حمزة ﴿ أسرى ﴾ وهو جمع أسير كجريح وجرحى، وأسارى جمعه كسكرى وسكارى. وقيل هو أيضا جمع أسير، وكأنه شبه بالكسلان وجمع جمعه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر «تفدوهم» ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ متعلق بقوله ﴿ وتخرجون فريقا منكم من ديرهم ﴾ ، وما بينهما اعتراض، والضمير للشأن، أو مبهم ويفسره إخراجهم، أو راجع إلى ما دل عليه تخرجون من المصدر. وإخراجهم بدل أو بيان ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتب ﴾ يعني الفداء.

﴿ وتكفرون ببعض ﴾ يعني حرمة المقاتلة والإجلاء. ﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحيوة الدنيا ﴾ كقتل قريظة وسبيهم. وإجلاء بني النضير، وضرب الجزية على غيرهم. وأصل الخزي ذل يستحيا منه، ولذلك يستعمل في كل منهما. ﴿ ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب ﴾ لأن عصيانهم أشد. ﴿ وما الله بغفل عما تعملون ﴾ تأكيد للوعيد، أي الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم. وقرأ عاصم في رواية المفضل، «تردون» على الخطاب لقوله ﴿ منكم ﴾. وابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وخلف ويعقوب «يعملون» على أن الضمير لمن.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٨٣