2.25
﴿ وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحات أن لهم جنت ﴾ عطف على الجملة السابقة، والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه، على حال من كفر به، وكيفية عقابه على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطا لاكتساب ما ينجي، وتثبيطا عن اقتراف ما يردي، لا عطف الفعل نفسه حتى يجب أن يطلب له ما يشاكله من أمر أو نهي فيعطف عليه أو على فاتقوا، لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء، وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم. ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة، تفخيما لشأنهم وإيذانا بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنأوا بما أعد لهم.
وقرىء ﴿ وبشر ﴾ على البناء للمفعول عطفا على أعدت فيكون استئنافا. والبشارة: الخبر السار فإنه يظهر أثر السرور في البشرة، ولذلك قال الفقهاء البشارة: هي الخبر الأول، حتى لو قال الرجل لعبيده: من بشرني بقدوم ولدي فهو حر، فأخبروه فرادى عتق أولهم، ولو قال: من أخبرني، عتقوا جميعا، وأما قوله تعالى:
فبشرهم بعذاب أليم
[آل عمران: 21] فعلى التهكم أو على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع.
و ﴿ الصلحات ﴾ جمع صالحة وهي من الصفات الغالبة التي تجري مجرى الأسماء كالحسنة، قال الحطيئة:
كيف الهجاء وما تنفك صالحة
من آل لام بظهر الغيب تأتيني
وهي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه، وتأنيثها على تأويل الخصلة، أو الخلة، واللام فيها للجنس، وعطف العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليهما إشعارا بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه.
﴿ أن لهم ﴾ منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه، أو مجرور بإضماره مثل: الله لأفعلن. والجنة: المرة من الجن وهو مصدر جنة إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي بها الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة كأنه يستر ما تحته سترة واحدة قال زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة
من النواضح تسقي جنة سحقا
أي نخلا طوالا، ثم البستان، لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان، وقيل: سميت بذلك لأنه ستر في الدنيا ما أعد فيها للبشر من أفنان النعم كما قال سبحانه وتعالى:
فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين
[السجدة: 17] وجمعها وتنكيرها لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون، وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال. واللام في ﴿ لهم ﴾ تدل على استحقاقهم إياها، لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح، لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة، فضلا عن أن يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع، ومقتضى وعده تعالى لا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى:
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعملهم
[البقرة: 217] وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم
لئن أشركت ليحبطن عملك
[الزمر: 65] وأشباه ذلك، ولعله سبحانه وتعالى لم يقيد ههنا استغناء بها.
﴿ تجرى من تحتها الأنهر ﴾ أي من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها. وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود: واللام في ﴿ الأنهر ﴾ للجنس، كما في قولك لفلان: بستان في الماء الجاري، أو للعهد، والمعهود: هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: