تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33 - سورة الأحزاب

33.1-10

مدينة وآيها ثلاث وسبعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ يأيها النبى اتق الله ﴾ ناداه بالنبي وأمره بالتقوى تعظيما له وتفخيما لشأن التقوى، والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعا له عما نهى عنه بقوله: ﴿ ولا تطع الكفرين والمنفقين ﴾ فيما يعود بوهن في الدين. روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم ابن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت. ﴿ إن الله كان عليما ﴾ بالمصالح والمفاسد. ﴿ حكيما ﴾ لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة.

﴿ واتبع ما يوحى إليك من ربك ﴾ كالنهي عن طاعتهم. ﴿ إن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ فموح إليك ما تصلح به أعمالك ويغني عن الاستماع إلى الكفرة، وقرأ أبو عمرو بالياء على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي أن الله خبير بمكايدهم فيدفعها عنك.

﴿ وتوكل على الله ﴾ وكل أمرك إلى تدبيره. ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ موكولا إليه الأمور كلها.

﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه ﴾ أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإنساني أولا ومنبع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد. ﴿ وما جعل أزوجكم اللائى تظهرون منهن أمهتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ وما جمع الزوجية والأمومة في امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو جميل ابن أسد الفهري ذو القلبين، والزوجة المظاهر عنها كالأم ودعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن محمد، أو المراد نفي الأمومة والبنوة عن المظاهر عنها والمتبنى ونفي القلبين لتمهيد أصل يحملان عليه. والمعنى كما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل القوى وغير أصل لم يجعل الزوجة والدعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أمه وابنه اللذين بينهما وبينه ولادة، وقرأ أبو عمرو «اللاي» بالياء وحده على أن أصله اللاء بهمزة فخففت وعن الحجازيين مثله، وعنهما وعن يعقوب بالهمز وحده، وأصل ﴿ تظهرون ﴾ تتظاهرون فأدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ ابن عامر ﴿ تظهرون ﴾ بالإدغام وحمزة والكسائي بالحذف وعاصم ﴿ تظهرون ﴾ من ظاهر، وقرىء «تظهرون» من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد وتظهرون من الظهور. ومعنى الظهار: أن يقول للزوجة أنت علي كظهر أمي، مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقا في الجاهلية وهو في الإسلام يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها، وهو بمعنى حلف وذكر الظهر للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ذكره يقارب ذكر الفرج، أو للتغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء، وأدعياء جمع دعي على الشذوذ وكأنه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه.

﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى ما ذكر أو إلى الأخير. ﴿ قولكم بأفوهكم ﴾ لا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي. ﴿ والله يقول الحق ﴾ ما له حقيقة عينية مطابقة له. ﴿ وهو يهدى السبيل ﴾ سبيل الحق.

﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ أنسبوهم إليهم، وهو أفراد للمقصود من أقواله الحقة وقوله: ﴿ هو أقسط عند الله ﴾ تعليل له، والضمير لمصدر ﴿ ادعوهم ﴾ و ﴿ أقسط ﴾ افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقا من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ في الصدق. ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم ﴾ فتنسبوهم إليهم. ﴿ فإخوانكم فى الدين ﴾ أي فهم إخوانكم في الدين. ﴿ وموليكم ﴾ وأولياؤكم فيه فقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل. ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ﴾ ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان. ﴿ ولكن ما تعمدت قلوبكم ﴾ ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم أو ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ لعفوه عن المخطىء. واعلم أن التبني لا عبرة به عندنا وعند أبي حنيفة يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن إلحاقه به.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٩٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٩٨٣