تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.127

﴿ وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ﴾ حكاية حال ماضية، و ﴿ القواعد ﴾ جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود، بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام، ومنه قعدك الله، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع فوقه ويرفعها بناؤها. وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء الناس إلى حجه. وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها. ﴿ وإسمعيل ﴾ كان يناوله الحجارة، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه. وقيل: كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب. ﴿ ربنا تقبل منا ﴾ أي يقولان ربنا تقبل منا، وقد قرىء به والجملة حال منهما. ﴿ إنك أنت السميع ﴾ لدعائنا ﴿ العليم ﴾ بنياتنا.

2.128-129

﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه. وقرىء ﴿ مسلمين ﴾ على أن المراد أنفسهما وهاجر. أو أن التثنية من مراتب الجمع. ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ أي واجعل بعض ذريتنا، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا، وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى:

وعد الله الذين ءامنوا منكم

[المائدة: 9] قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى: ﴿ خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ﴾. ﴿ وأرنا ﴾ من رأى بمعنى أبصر، أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين ﴿ مناسكنا ﴾ متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا. والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقرأ ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ويعقوب ﴿ أرنا ﴾.، قياسا على فخذ في فخذ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها. وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس ﴿ وتب علينا ﴾ استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهوا. ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشاد لذريتهما ﴿ إنك أنت التواب الرحيم ﴾ لمن تاب. ﴿ ربنا وابعث فيهم ﴾ في الأمة المسلمة ﴿ رسولامنهم ﴾ ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام:

" أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي "

﴿ يتلوا عليهم آيتك ﴾ يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة. ﴿ ويعلمهم الكتب ﴾ القرآن. ﴿ والحكمة ﴾ ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام. ﴿ ويزكيهم ﴾ عن الشرك والمعاصي ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد ﴿ الحكيم ﴾ المحكم له.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ١٠٧