5 - سورة المائدة
5.1-5
﴿ يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود ﴾ الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإيفاء والعقد العهد الموثق قال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال، ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله سبحانه وتعالى على عباده وألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به، أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب. ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ تفصيل للعقود، والبهيمة كل حي لا يميز. وقيل كل ذات أربع، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كقولك: ثوب خز، ومعناه البهيمة من الأنعام. وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش. وقيل هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب، وإضافتها إلى الأنعام لملابسة الشبه. ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ أو إلا ما يتلى عليكم تحريمه. ﴿ غير محلي الصيد ﴾ حال من الضمير في ﴿ لكم ﴾ وقيل من واو ﴿ أوفوا ﴾ وقيل استثناء وفيه تعسف و ﴿ الصيد ﴾ يحتمل المصدر والمفعول. ﴿ وأنتم حرم ﴾ حال مما استكن في ﴿ محلي ﴾ ، وال ﴿ حرم ﴾ جمع حرام وهو المحرم. ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ من تحليل أو تحريم.
﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ يعني مناسك الحج، جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعارا سمى به أعمال الحج ومواقفه لأنها علامات الحج وأعلام النسك. وقيل دين الله لقوله سبحانه وتعالى:
ومن يعظم شعئر الله
[الحج: 32] أي دينه. وقيل فرائضه التي حدها لعباده. ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ بالقتال فيه أو بالنسيء. ﴿ ولا الهدي ﴾ ما أهدي إلى الكعبة، جمع هدية كجدي في جميع جدية السرح. ﴿ ولا القلئد ﴾ أي ذوات القلائد من الهدي، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنها أشرف الهدي، أو القلائد أنفسها والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، ونظيره قوله تعالى:
ولا يبدين زينتهن
[النور: 31] والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له. ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ قاصدين لزيارته. ﴿ يبتغون فضلا من ربهم ورضونا ﴾ أن يثيبهم ويرضى عنهم، والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين وليست صفة له، لأنه عامل والمختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، وفائدته استنكار تعرض من هذا شأنه والتنبيه على المانع له. وقيل معناه يبتغون من الله رزقا بالتجارة ورضوانا بزعمهم إذ روي أن الآية نزلت عام القضية في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة، وكان قد استاق سرح المدينة وعلى هذا فالآية منسوخة.
وقرىء تبتغون على خطاب المؤمنين ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ إذن في الاصطياد بعد زوال الإحرام ولا يلزم من إرادة الإباحة ههنا من الأمر دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإباحة مطلقا. وقرىء بكسر الفاء على إلقاء حركة الوصل عليها وهو ضعيف جدا. وقرىء «أحللتم» يقال حل المحرم وأحل ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ لا يحملنكم أو لا يكسبنكم. ﴿ شنآن قوم ﴾ شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر أضيف إلى المفعول أو الفاعل. وقرأ ابن عامر وإسماعيل عن نافع وابن عياش عن عاصم بسكون النون وهو أيضا مصدر كليان أو نعت بمعنى: بغيض قوم وفعلان في النعت أكثر كعطشان وسكران. ﴿ أن صدوكم عن المسجد الحرام ﴾ لأن صدوكم عنه عام الحديبية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يجرمنكم. ﴿ أن تعتدوا ﴾ بالانتقام، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب. ومن قرأ ﴿ يجرمنكم ﴾ بضم الياء جعله منقولا من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين. ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى. ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ للتشفي والانتقام. ﴿ واتقوا الله إن الله شديد آلعقاب ﴾ فانتقامه أشد.