3.200
﴿ يأيها الذين ءامنوا اصبروا ﴾ على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد. ﴿ وصابروا ﴾ وغالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقا لشدته. ﴿ ورابطوا ﴾ أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو، وأنفسكم على الطاعة كما قال عليه الصلاة والسلام
" من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة "
وعنه عليه الصلاة والسلام
" من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة ".
﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فاتقوه بالتبري عما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح، أو واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة، المرتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السر على جناب الحق لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة، والطريقة، والحقيقة. عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم "
وعنه عليه الصلاة والسلام
" من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تجب الشمس "
والله أعلم.
4 - سورة النساء
4.1
﴿ أيها الناس ﴾ خطاب يعم بني آدم. ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس وحدة ﴾ هي آدم. ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ عطف على خلقكم أي خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه، أو محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة. ﴿ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ﴾ بيان لكيفية تولدهم منهما، والمعنى ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر ﴿ كثيرا ﴾ حملا على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها. وقرىء «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث. ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي يسأل بعضكم بعضا تقول أسألك بالله، وأصله تتساءلون فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها. ﴿ والأرحام ﴾ بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمرا، أو على الله أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. وقرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك، أي مما يتقى أو يتساءل به. وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه. وعنه عليه الصلاة والسلام
" الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله "
﴿ إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ حافظا مطلعا.