وأنت إن أردت مثلها من الله فلا بد أن تغبطه، والحق يقول:
ما عندكم ينفد وما عند الله باق..
[النحل: 96]. ولذلك يجب أن يكون الناس في عطاء الله غير حاسدين وغير حاقدين، لكن بعض الناس ربما حسدوا غيرهم من الذين يعطيهم الأغنياء رغبة في أن يكون ذلك لهم وحدهم، فإنك إن كان عندك كم من المال ثم اتصل بك قوم في حاجة فأعطيتهم منه، ربما قال الآخرون ممن يرغبون في عطائك ويأملون في خيرك: إنك ستنقص مما عندك بقدر ما تعطي هؤلاء لأن ما عندك محدود، ولكن هنا العطاء ممن لا ينفد ما عنده، إذن: فيعطيك ويعطي الآخرين ولا ينقص مما عنده شيء. إذن: فالغبطة أمر بديهي عند المؤمن لأنه يعلم أن عطاء الله لواحد لا يمنع أن يعطي الآخر، ولو أعطى سبحانه كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وذلك كما جاء في الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ".
﴿ أم يحسدون الناس على مآ آتاهم.. ﴾ [النساء: 54]، فالحسد - كما عرفنا - هو: أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره، هذا التمني معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة إلا إذا كنت متمردا على من يعطي النعم. إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: رده لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشر منه فقلبه يحترق حقدا. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة لأن الحقد يحرق قلبه وربما قال قائل: وما ذنب المحسود؟ ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه به، وليس له أن يستعمله في باطل. وهب أن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان شيئا يكره النعمة عند غيره، فلماذا لا يتذكر الإنسان حين يستقبل نعمة عند غيرك أن يقرنها بقوله: ما شاء الله لا قوة إلا الله.
فلو قارنت كل نعمة عند غيرك بما شاء الله الذي لا قوة إلا به لرددت عن قلبك سم حقدك. إنك ساعة ترى نعمة عند غيرك وتقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فأنت تتذكر أن الإنسان لم يعط نفسه أي نعمة. إنما ربنا هو الذي أعطاه، وسبحانه قادر على كل عطاء، ومن الممكن أن يحسد الإنسان. لكن الذي يجد الحسد في نفسه ويريد أن يطفئه، عليه أن يرد كل شيء إلى الله، وما دام قد رد كل شيء إلى الله فقد عمل وقاية لنفسه من أن يكون حاسدا. ووقاية للنعمة عند غيره من أن تكون محسودة، والحق سبحانه وتعالى بين لنا ذلك في قوله سبحانه:
ومن شر حاسد إذا حسد
[الفلق: 5]. إذن: فمن الممكن أن يمتلئ قلب أي واحد منا بالحقد على نعمة وبعد ذلك يحدث منها حسد، وعلى كل واحد منا أن يمنع نفسه من أن يدخل تيار الحقد على قلبه لأن تيار الحقد يحدث تغييرا كيماويا في تكوين الإنسان، وهذا التغير الكيماوي هو الذي يسبب التعب للإنسان، وما يدرينا أن هذا التوتر الكيماوي من عند غيره تجعل في نفس الإنسان وفي مادته تفاعلات، وهذه التفاعلات يخرج منها إشعاع يذهب للمحسود فيقتله؟ لأن الحق سبحاه وتعالى يقول:
ومن شر حاسد إذا حسد
[الفلق: 5]. وعندما تستعيذ بالله من شر الحاسد ألا يصيبك، قد يصيبك، ولكن استعاذتك من شره تعني أنه إن أصابك فعليك أن تسترجع، فتقول:
إنا لله وإنآ إليه راجعون
[البقرة: 156] وتعلم أن ذلك خير لك فإن أصابك في نعمة فاعلم أن هذه المصيبة فيها خير، فالحاسد إذا أصابك في شيء من نعم الله عليك، فالشر هو أن تحرم الثواب عليها!! فالمصاب هو من حرم الثواب، فإذا جاءت مصيبة لأي واحد وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إنك ربي وإنك لا تحب لي إلا الخير لأني صنعتك ولم تجر علي إلا الخير، لكنني قد لا أستطيع أن أفهم ذلك الخير. إن المسلم إذا صنع ذلك فالله سبحانه وتعالى يبين له فيما بعد أنها كانت خيرا له، فإن أصابه في ولده وقال: من يدريني لعل ولدي الذي أماته الله كان سيفتنني فأكفر أو أسرق له وآخذ رشوة من أجله. لكن الله أخذه مني ومنع عني ذلك الشر، أو أن النعمة قد تطغيني، وقد تجعلني أتجبر على الناس، وقد تجعلني أتطاول وأعتدي على الخلق، فيقول لي ربنا: امرض قليلا واهدأ. وهكذا نرى أن المصاب لا بد أن يتوقع الخير وأن يسترجع وأن يقول: لا بد أنه سيأتيني من الابتلاء خير، وقد يقول قائل: نحن نقول: