قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد
[الفلق: 1-5]. نقرأ ونكرر هذه السورة ولم يعذنا الله من شر الحاسدين، ويحسدنا الحاسدون أيضا! نقول له: أنت لم تفهم معنى قوله:
ومن شر حاسد إذا حسد
[الفلق: 5]. إنك تفهمه على أساس ألا يصيبك حسده، لا، إن حسده قد يصيبك، لكن عليك أن تعرف قدر الله في تلك الإصابة وتقول: يا رب إنك أجريتها علي لخير عندك لي. فإن فعلت ذلك فقد كفيت شرا. ونحن نعيش في عالم نرى فيه أنه كلما ارتقت الدنيا في العلم بين لنا ربنا آيات في كونه وفي أسرار الوجود تقرب لنا كثيرا من المعاني فالذين يصنعون الآن أسلحة الفتك والتدمير، كلما يلطف السلاح ويدق ولا يكون داخلا تحت مرائي البصر كان عنيفا، ويختلف عن أسلحة الأزمنة القديمة حيث كان الإنسان يرمي آخر بحجر، ثم آخر يرمي بمسدس، ثم صار في قدرة دولة أن تصنع قنبلة ذرية لا ينوب أي فرد منها إلا قدر رأس مسمار لكنها تقتل، إذن: فأسلحة الفتك كلما لطفت - أي دقت - عنفت. ونرى الآن أن الأسلحة كلها بالإشعاع، والإشعاع ليس جرما، وعمل الإشعاع نافذ لكن لا يوجد له جرم، وكما يقول الأطباء: نجري العملية من غير أن نسيل دما بوساطة الأشعة، ومثال ذلك أشعة الليزر، إذن: فكلما دق السلاح كان عنيفا وفتاكا. وهذا مثال يوضح ذلك: لنفرض أنك أردت أن تبني لك قصرا في خلاء، ثم مر عليك صديق فقال: لماذا لم تضع لنوافذ الدور الأول حديدا؟ تقول له: لماذا؟. فيقول لك: هنا سباع وذئاب. فتضع الحديد ليمنع الذئاب، وآخر يمر على قصرك فيقول: إن فتحات الحديد واسعة وهنا توجد ثعابين كثيرة، فتضيق الحديد. وثالث يقول: هناك بعوض يلسع ويحمل الميكروبات، فتضع سلكا على النوافذ. إذن: فكلما دق العدو كان عنيفا فيحتاج احتياطا أكبر. ونحن نعلم أن الميكروب الذي لا يرى يأتي فيفتك بالناس، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت، - أي دقت وصغرت - عنفت، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلا قليلا، لكن عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها. وأفتك الميكروبات هي التي تدق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض: لا نعرف لها فيروسا بمعنى أن هذا الفيروس المسبب للمرض صار دقيقا جدا حتى عن معايير المجاهر. إذن: فما الذي يجعلنا نضيق ذرعا بأن نقدر أن هناك شرارة من ميكروب تخرج من كيماوية الإنسان الحاقد الحاسد الذي تشقيه النعمة عند غيره، وشرارة الميكروب هذه مثل أشعة الليزر تتجه لشيء فتفتك به!! ما المانع من هذا؟! إننا نفعل ذلك الآن ونسلط الأشعة على أي شيء، والأشعة هي من أفتك الأسلحة في زماننا، ولماذا لا نصدق أن كيماوية الحاسد عندما تهيج يتكون منها إشعاع يذهب إلى المحسود فيفتك به؟ ومثلها مثل أي نعمة ينعمها ربنا عليك، وبعد ذلك تستعملها في الضرر.
ومثال ذلك الرجل الذي عنده بعض من المال ومع ذلك يغلي حقدا على خصومه. فيشتري مسدسا أو بندقية ليقتلهم إنه يأخذ النعمة ويجعلها وسائل انتقام، وهذا يأتي من هيجان الغريزة الداخلية المدبرة لانفعالات الإنسان. إذن: فهؤلاء القوم عندما جاء رسول الله مصدقا بما عندهم، ما الذي منعهم أن يصدقوه؟ لا شك أنهم حسدوه في أن يأخذ هذه النعمة، ونظروا إلى نعمة الرسالة على أنها مزية للرسل، وهل كان ذلك صحيحا؟ حقا إنها مزية للرسل ولكنها مع ذلك عملية شاقة عليهم، والناس في كل الأمم - ما عدا الأنبياء - يورثون أولادهم مالهم، أما الأنبياء فلا يورثون أولادهم. إنهم لم يأتوا ليأخذوا جاها، أو ليستعلوا على الناس، بل كلفوا بمتاعب جمة. إذن: فأنتم تنظرون إلى السلطة التي أعطاكم الله إياها في مسألة علم الدين. وتجعلونها أداة للترف والرفاهية وللعنجهية وللعظمة، وحين يجيء رسول لكي ينفض عنكم ويخلصكم من هذه السيطرة، ماذا تفعلون؟ أنتم تحزنون لأنكم أقمتم لأنفسكم سلطة زمنية ولم تجعلوا أنفسكم في خدمة القيم، وأخذتم عظمة السيطرة فقط، فلما جاء رسول الله يريد أن يزيل عنكم هذه السيطرة قلتم: لا. لا نتبعه. فإذا كنتم تحسدون النبي عليه الصلاة والسلام على الرسالة وجعلتموها مسألة يدلله الله بها أو أنها تعطية سيطرة، فلماذا الحسد على سيدنا محمد وقد أعطى الله سيدنا إبراهيم الملك، وأعطى لداود الملك، وأعطى لسليمان الملك، وأعطى ليوسف الملك، فلماذا الحسد إذن عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكرم الفرع الثاني من إبراهيم وهو إسماعيل عليه السلام؟ لقد كرم الله سبحانه الفرع الأول في إسحاق وجاء من إسحاق يعقوب، ومن يعقوب يوسف، ثم جاء موسى وهارون ثم داود وسليمان، كل هؤلاء قد كرموا، وعندما يكرم سبحانه الفرع الثاني لإبراهيم وهو ذرية إسماعيل ويرسل منهم رسولا، تحزنون وتقفون هذا الموقف؟ لماذا لا تنظرون إلى أن إسماعيل وفرعه أتى من ذرية إبراهيم، ولماذا اعتبرتم الرسالة والنبوة نعمة مدللة، ولم تنتبهوا إلى أنها عملية قاسية على الرسول؟ لأن عليه أن يكون النموذج التطبيقي على نفسه وعلى آله، ولا أحد من أهله يتمتع بذلك بل العكس فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: