تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36]. وهل يحكم واحد على آخر أنه محسن إلا إذا كان عنده مقياس يعرف به الحسن ويميزه عن القبح؟ وعندما قالا ذلك الأمر لسيدنا يوسف، كان من الممكن أن يجيبهما إلى تأويل رؤياهما، ولكن هذه ليست مهمته، بل فكر: لماذا لا يستغل هو حاجتهما إليه لأمر يتعلق بشخصيهما، وبعد ذلك ينفذ إلى مراده هو منهما قبل أن ينفذا إلى مرادهما منه، فهو نبي ومن سلالة أنبياء فأوضح لهما: وماذا رأيتما من إحساني؟ إن عندي أشياء كثيرة:

قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما..

[يوسف: 37]. فقد زكى نفسه، لكن انظروا لماذا زكى نفسه؟ هو يريد أن يأخذ بيدهما إلى ربه هو، بدليل أنه قال:

ذلكما مما علمني ربي..

[يوسف: 37]. إذن فالتزكية هنا مطلوبة، وقد ردها لله، وأعلن أن تلك ليست خصوصية لي، بل كل واحد من خلق الله يستطيع أن يكون مثلي:

إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله..

[يوسف: 37]. وبعد ذلك قال:

واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب..

[يوسف: 38]. إذن: فمن الممكن أن تكونوا مثلي إذا ما اتبعتم هذا الطريق، بعد ذلك قال لهم:

أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

[يوسف: 39]. أي: أإله واحد أحسن أم آلهة متعددة؟ فأنتم يا أصحاب الآلهة المتعددة جئتم لصاحب الإله الواحد مع أن التعدد - في الظاهر - يعطي القوة، لكن هذا التعدد أعطى الضعف لأنكم يا أصحاب الآلهة المتعددة لجأتم إلى صاحب الإله الواحد:

أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

[يوسف: 39]. إذن فهو زكى نفسه أمامهما لكي يأخذهما إلى جانب من زكى، وهو الحق سبحانه وتعالى، وبعد ذلك عندما علم الملك قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، ويكون مقربا مني. ثم بعد ذلك جاءت سنون الجدب التي تنبأ بها أولا في تفسير الرؤيا، وأشار عليهم بضرورة الادخار من سنين الخصب لسنين الجدب، لقد كانت التجربة إخبارا لأشياء ستحدث، فلما وقعت علم أن المسألة ليست تجارب بل هي مسألة دقيقة، فقال للملك:

اجعلني على خزآئن الأرض..

[يوسف: 55]. إذن فقد زكى نفسه، وجاء بالحيثية:

إني حفيظ عليم

[يوسف: 55]. لأن هذه المسألة تحتاج حفظا وعلما، فهي أمر غير خاضع للتجريب، فيجرب واحد فيخيب، ويجرب آخر فيخيب، لا، إنها تحتاج لحفظ وعلم، ومثال ذلك أيضا عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، قال له المنافقون: اعدل يا محمد! فيقول لهم: والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، فهو يزكي نفسه، إذن: فمتى تكون التزكية مطلوبة؟ أولا: أن تكون بحق، وأن يكون لها هدف عند من يعلم التزكية وإلى من يعطيك التزكية ويثني عليك بما فيك وما أنت أهل له فتكون هذه تزكية صحيحة ولذلك يقول الحق:

فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

[النجم: 32]. لأنك تزكي نفسك عند الذي سيعطي الجزاء وهو يعلم، إذن: فمن الحمق أن يزكي الإنسان نفسه في غير المواقف التي يحتاج فيها الأمر إلى تزكية تكون لفائدة المسلمين لا لفائدته الخاصة، والحق يقول: ﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 49]. إن الحق سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فمن الممكن أن واحدا يتصنع ويتكلف في نفسه مدة من الزمن أمامك، لكن هناك أشياء أنت لا تدركها، لكن ربنا عندما يزكي تكون تزكيته عن علم وعن خبرة، ومع ذلك أحين يزكون أنفسهم، أهذه محت حسناتهم؟ لا. فعل الرغم من أنهم زكوا أنفسهم فالحق لن يأخذهم هكذا، ويضيع حسناتهم ولكنهم ﴿ ولا يظلمون فتيلا ﴾ [النساء: 49] وهذه مطلق العدالة. ونعرف أن القرآن نزل بلسان عربي على نبي عربي، والذين باشروه أولا عرب، ونعرف أن أغلب إيحاءاته كانت متوافقة مع البيئة، وكان عندهم " النخل " وهي الشجرة المفضلة لأنها شجرة لا يسقط ورقها، وكل ما فيها له فائدة، فلا يوجد شيء في النخلة إلا وفيه فائدة. عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٩٢