تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اشتروا الضللة بالهدى..

[البقرة: 16] ومرة لا يأتي بالهدى كثمن للضلالة ويقول: ﴿ يشترون الضلالة ﴾ [النساء: 46]، ولم يلتفتوا إلى أن هدى الفطرة مطموس عندهم هنا، ومثال آخر هو قول الحق:

يحرفون الكلم من بعد مواضعه

[المائدة: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه.. ﴾ [النساء: 46]، فكأن المسألة لها أصل عندهم، فالكلام المنزل من الله وضع - أولا - وضعه الحقيقي ثم أزالوه وبدلوه ووضعوا مكانه كلاما غيره مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد مكانه. أما قوله:

من بعد مواضعه

[المائدة: 41] فتفيد أنهم رفعوا الكلام المقدس من موضعه الحق ووضعوه موضع الباطل، بالتأويل والتحريف حسب أهوائهم بما اقتضته شهواتهم، فكأنه كانت له مواضع. وهو جدير بها، فحين حرفوه تركوه كالغريب المنقطع الذي لا موضع له، فمرة يبدلون كلام الله بكلام من عندهم، ومرة أخرى يحرفون كلام الله بتأويله حسب أهوائهم. ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا.. ﴾ [النساء: 46]. فهم يقولون قولا مسموعا ﴿ سمعنا ﴾ [النساء: 46] ثم يقولون في أنفسهم " سمعنا وعصينا ". فقولهم: " سمعنا وعصينا " ففي نيتهم ﴿ عصينا.. ﴾ [النساء: 46]، إذن فقولهم ﴿ سمعنا.. ﴾ [النساء: 46] يعني سماع أذن فقط. أما ﴿ عصينا.. ﴾ [النساء: 46] فهي تعني: عصيان التكليف، وهم قالوا بالفعل سمعنا جهرا وقالوا عصينا سرا أو هم قالوا: سمعنا، وهم يضمرون المعصية، { واسمع غير مسمع.

. } [النساء: 46] ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يسمعكم، بدليل أنكم قلتم: سمعنا، فماذا تريدون بقولكم: اسمع؟ هل تطلبون أن يسمع منكم لأنه يقول كلاما لا يعجبكم وستردون عليه، أو أنتم تريدون استخدام كلمة تحتمل وجوها فتقلبونها إلى معان لا تليق، مثل قولكم: ﴿ غير مسمع.. ﴾ [النساء: 46] ما يسرك، أو ﴿ غير مسمع.. ﴾ [النساء: 46] أي لا سمعت لأنهم يتمنون له - معاذ الله - الصمم، وقد تكون سبابا من قولهم: أسمع فلان فلانا إذا سبه وشتمه، فالكلام محتمل. ﴿ واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم.. ﴾ [النساء: 46] لم يقولوا: ﴿ راعنا.. ﴾ [النساء: 46] من الرعاية بل من الرعونة، فقال: لا، اتركوا هذا اللفظ لأنهم سيأخذون منه كلمة يريدون منها الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و " اللي ": هو فتل الشيء، والفتل: توجيه شقي الحبل الذي تفتله عن الاستقامة، وهذا الفتل يعطيه القوة، وهم يعملون هذه العمليات لماذا؟ لأنهم يفهمون أنها تعطي قوة لهم. ﴿ ليا بألسنتهم وطعنا في الدين.. ﴾ [النساء: 46]، وما داموا يلوون الكلام عن الاستقامة فهم يريدون شرا، لأن الدين جاء استقامة، فساعة يلويه أحد فماذا يريد؟.. إنه يريد ﴿ وطعنا في الدين.. ﴾ [النساء: 46]، ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا.. ﴾ [النساء: 46]، وبدلا من إضمار المعصية يقولون: ﴿ وأطعنا واسمع وانظرنا.. ﴾ [النساء: 46] بدلا من ﴿ راعنا.. ﴾ [النساء: 46]، ف ﴿ انظرنا.. ﴾ [النساء: 46] لا تحتمل معنى سيئا. إذن: فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبر أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خصومه يأتون بالألفاظ محتملة لذم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك يوضح: احذروا أن تقولوا الألفاظ التي يقولونها لأنهم يريدون فيها جانب الشر وعليكم أن تبتعدوا عن الألفاظ التي يمكن أن تحول إلى شر. فلو قالوا ﴿ سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن.. ﴾ [النساء: 46]، وساعة تسمع كلمة " لكن " فلتعلم أن الأمر جاء على خلاف ما يريده المشرع لأنه يقول: ﴿ ولو أنهم قالوا.. ﴾ [النساء: 46]، لكنهم لم يقولوا، إذن فالأمر جاء على خلاف مراد المشرع. ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم.. ﴾ [النساء: 46] و " اللعن " هو: الطرد والإبعاد، فهل تجنى الله عليهم في لعنهم وطردهم؟ لا. هو لم يلعنهم إلا بسبب كفرهم، إذن فلا يقولن أحد: لماذا لعنهم الله وطردهم وما ذنبهم؟ نقول: لا، هو سبحانه لعنهم بسبب كفرهم، إذن فالذي سبق هو كفرهم، وجاء اللعن والطرد نتيجة للكفر. ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ [النساء: 46]. وساعة تسمع نفي حدث " لا يؤمنون " ثم يأتي استثناء " إلا " ، فهو يثبت بعض الحدث، تقول مثلا: لا يأكل إلا قليلا، كلمة " لا يأكل " نفت الأكل، " وإلا قليلا " أثبتت بعض الأكل، فهو سبحانه يقول: ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ [النساء: 46].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٨١