تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين

[المطففين: 32-33]. فالله سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن هؤلاء المستهزئين بالدين يتهمون المتدينين بأنهم على ضلال. فإياكم أن تيأسوا أمام هؤلاء، إياكم أن تهزموا أمام هؤلاء لأنني سأنتقم عيانا من هؤلاء، وذلك يأتي يوم الآخرة ويقول الله بعد أن ينزل بهم النكال والعذاب:

هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 36]. فالحق يتساءل ليأتي الجواب على ألسنتنا، والسؤال هو: هل قدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه فيكم؟ فاسخروا أنتم منهم، واضحكوا عليهم كما سخروا منكم في الدنيا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب.. ﴾ [النساء: 44] وهم اليهود: ﴿ أوتوا نصيبا من الكتاب.. ﴾ [النساء: 44] أي أنهم لم يأخذوا بكل الكتاب بدليل أنهم نسوا حظا مما ذكروا به، ﴿ يشترون الضلالة.. ﴾ [النساء: 44]، وساعة تسمع كلمة " يشتري " أعرف أن هناك معاوضة ومبادلة، سلعة وثمنا، فيشترون الضلالة بماذا؟ ماذا سيدفعون؟ الحق يقول في آية أخرى:

اشتروا الضلالة بالهدى..

[البقرة: 16]. أي أنهم دفعوا الهدى ثمنا وأخذوا الضلالة سلعة، وعادة ما ندفعه يضيع من يدنا، وما نشتريه نأخذه لنا. فحين تشتري سلعة بجنيه، فالجنيه يضيع، بعد أن كان معك أولا، فحين يقول:

اشتروا الضلالة بالهدى..

[البقرة: 16] فهل كان معهم هدى وقدموه وأخذوا الضلالة؟! نعم، كان معهم هدى الفطرة. فكل واحد عنده هدى الفطرة. إياك أن تظن أن العقل الواعي ينتظر رسولا ليدله على الله، إنما هو ينتظر رسولا ليبلغه مرادات الله منه، ذلك أن الإيمان بالله أمر من أمور الفطرة، فالإنسان عندما يتفتح وعيه يجد أشياء في الكون تخدمه، خدمة مستقيمة رتيبة، ولا تتخلف عن خدمته أبدا، هناك شمس تطلع كل يوم، وهواء يمر، أرض عندما تزرعها تعطيك خيرا كثيرا. ألك قدرة على شيء من هذا؟ هل ادعى إنسان مثلك أن له قدرة عليه؟ كل هذه الكائنات أنت تطرأ عليها، ولم تأت بها. وعندما يولد الإنسان ويرى كل هذه النعم موجودة. ألا يؤمن بأنها من عطاء خالق؟ الإنسان فوجيء عندما ولد بوجود النعم. وأيضا آدم عندما خلق فوجىء بالنعم موجودة، إذن فهو طرأ عليها، بالله ما دام هو قد طرأ عليها ألا يفكر من الذي أقام هذه النعم له؟ كان لا بد أن يفكر من الذي صنع له كل هذه النعم، وضربنا من قبل مثلا بمن انقطعت به الوسائل وهو في الصحراء ولم يجد ماء ولم يجد طعاما، ثم يئس فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبلما يأكل ألا ينظر ويفكر ويقول في نفسه: من الذي أعد وأقام تلك المائدة؟ أنت - إذن - وارد على الكون بخيره كله، ولا أحد قال لك: أنا الذي فعلته، لا أبوك ولا جدك ولا جد جدك قال هذا، فلا بد أن تنتبه إلى أن له خالقا. إذن فالذين اشتروا الضلالة بالهدى، أكان معهم هدى فقدموه وأخذوا الضلالة؟! نعم كان معهم هدى الفطرة، ولذلك حين سئل الإمام علي - كرم الله وجهه -: أعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمدا بربك؟ قال: لو عرفت محمدا بربي ما احتجت إلى رسول، إذن فلا يصلح أيضا أن يقال لأحد " عرفت ربك بمحمد " لذلك قال علي كرم الله وجهه: ولكني عرفت ربي بربي، وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني.

إذن فقوله:

الذين اشتروا الضلالة بالهدى..

[البقرة: 16] ماذا فعلوا؟ باعوا هدى الفطرة واشتروا الضلالة. وهنا يقول الحق: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة.. ﴾ [النساء: 44]. ولم يأت ب " الهدى " هنا، وهذا يدل على أن الفطرة انطمست عندهم انطماسا بحيث لم يقدموا ثمنا للضلالة من الهدى. ﴿ ويريدون أن تضلوا السبيل ﴾ [النساء: 44] والإرادة هي: أن يرجح الشخص المختار حكما على حكم، ومثال ذلك: أنت أمامك جوربان مثلا، فلك أن تختار واحدا منهما، لكن لو كان أمامك جورب واحد فإرادتك لا ترجح. إن الإرادة ترجح اختيارا على اختيار، وما معنى " تضلوا "؟ الضلال يطلق بإطلاقات متعددة، فحواها كلها أن هناك أمرا من الحق ليس على بالك، فهل يحدث ذلك لأنك نسيته أو عرفته وتعمدت أن تتركه؟. فالذي نسي هذا الأمر معذور. لكن هناك إنسان آخر يعرف هذا الأمر لكنه تعمد أن يتركه، إذن فالضلال يطلق مرة على النسيان كما في قول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٧٤