تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..

[البقرة: 142]. فهم يتساءلون: ما الذي جعلهم يتركون القبلة التي كانوا عليها؟ فإن كانت قبلة إبراهيم هي الكعبة فلماذا لم يتجه إليها من أول الأمر؟ هم سيقولون هذا الكلام. ونزل به قرآن يتلى ويسجل، ومن تغفيلهم ساعة تغيرت القبلة قالوا ذلك القول أيضا، ولم يلتفتوا إلى أن الحق قال من قبل:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم..

[البقرة: 142]. فعلى الرغم من ذكائهم إلا أنهم قالوا هذا الكلام، مما يدل على أن الكفر مظلم والكافر في ظلام فلا يعرف كيف ينصر نفسه. وجعل الله الكفر وسيلة للإيمان. فلو أنهم كانوا أذكياء بحق وأصحاب بصيرة لكانوا بمجرد أن قال القرآن:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..

[البقرة: 142]، لجمعوا بعضهم وقالوا: القرآن قال: إننا سنقول كذا وكذا، فهيا لا نقول كي يكون القرآن غير صادق. لكنهم لم يقدروا على ذلك. إذن فالكافر مغفل. هم يظنون أنهم بكفرهم يطمسون الإيمان بالله. لا لأن الله جعل الكفر وسيلة للإيمان، والحديث الشريف يقول:

" إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ".

فالحق سبحانه وتعالى يبين: هؤلاء أوتوا نصيبا من الكتاب، وكان المفروض لمن أوتوا نصيبا من الكتاب أن يكونوا أول من آمن.

لكنهم لم يؤمنوا، هذه أول مرتبة، وليتهم اقتصروا في الشر على هذه، وبذلك تقف المسألة وتظل معلقة بهم، ولكنهم يشترون الضلالة، ليس فقط في نفوسهم بل يريدون أن يضلوا غيرهم، وهذه هي المرحلة الثانية، فهناك من يضل في ذاته وهو حر، لكن أن يحاول إضلال غيره فهذا كفر مركب. أنت ضللت وانتهيت، فلماذا تريدني أن أضل؟ لأن الضال أو المنحرف أو الذي ليس على طريق مستقيم إنما يعرف الطريق المستقيم جيدا. ولكن الصعوبة في أنه لا يستطيع أن يحمل نفسه عليه. فإذا ما وجد إنسانا مؤمنا فهو يستصغر نفسه، " لماذا آمن هو وأنا لم أؤمن "؟ إذن فلا أقل من أن يحاول جذبه في صفه حتى لا يكون هو المنحرف الوحيد، فإذا رأيت مثلا في بلد من البلاد بعض المنحرفين، ويرون واحدا مستقيما فهم يتضاءلون أمامه، وينظرون إليه نظرة حقد، ويقولون: لماذا هو مستقيم؟ لا بد أن نسحبه للانحراف. ولذلك يجب على المستقيمين أن ينتبهوا جيدا إلى أن شياطين الإنس لن تتركهم في طاعتهم، بل إنهم سيحاولون أن يستميلوهم لأنه يعز عليهم أنهم لا يقدرون على أنفسهم ويحز في نفوسهم أكثر أن يجدوا بشرا مثلهم قد قدر على نفسه واستقام. ولذلك يقولون: هيا نكون كلنا معا في المعصية حتى لا يرفع أحد رأسه على الآخر. فلنكن كلنا كذابين حتى لا يوجد فينا واحد صادق يذلنا. والكذاب كلما رأى الصادق يشعر أن هناك حربة تنغرز في قلبه!! والخائن ساعة يرى الأمين تكون الرؤية حربة تنزل في قلبه فيريد أن يكون الكل مثله، هذه معنى ﴿ يشترون الضلالة.. ﴾ [النساء: 44]. والحق يقول لهم: أنتم أحرار بشرائكم الضلالة وستجدون الجزاء في النار، فلماذا تريدون أن تضلوا الناس؟ إذن فيجب أن ينتبه أهل الطاعة إلى هذا الأمر، وعندما يستهزئ أحد من طاعتهم فعليهم أن يلتفتوا إلى قول الحق سبحانه:

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين

[المطففين: 29-31]. وهذا ما يحدث إذا رأى بعض المنحرفين واحدا يذهب إلى المسجد أو يصلي، يقولون له: " خذنا على جناحك " ويسخرون منه ويستهزئون، لأنهم ساعة يرونه مقبلا على الطاعة وهم غير قادرين على أن يكونوا طائعين يتضاءلون أمام أنفسهم لذلك يريدون أن يكون الكل غير طائع، وهذه هي الصورة التي نراها الآن، وعندما يقابل هؤلاء أهاليهم يتضاحكون بسرور من أنهم ضايقوا مؤمنا، ويقولون: قابلنا مؤمنا واستهزأنا به، ويتابع الحق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٧٣