يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219]. هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال:
قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس..
[البقرة: 219] ولكن الإثم أكبر من النفع، فهل قال لنا ماذا نفعل؟ لا لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم، وأن يصل الإنسان إلى الحكم بنفسه، فسبحانه قال: " وإثمهما أكبر من نفعهما " فما دام الإثم أكبر من النفع فما مرجحات البدائل؟ مرجحات البدائل تظهر لك حين تقارن بين بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرا وأكثر البديلين خيرا. فحين يقول الحق:
فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219] إذن فهذه نصيحة، وما دامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ويستأمن الله على نصيحته. لكن لا حكم هنا، فظل هناك ناس يشربون وناس لا يشربون، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلي وقرأ سورة الكافرون، ولأن عقله قد سد قال: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فوصلت المسألة ذروتها وهنا جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا، لكن سكرك لا يصح أن يؤدي بك أن تكفر في الصلاة، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور. هذا نهي، وأمر، وتكليف. ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. ﴾ [النساء: 43] وما دام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتا نمتنع فيه، إذن ففيه إلف بالترك، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتي الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخمر، فقالوا للنبي: بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزل قوله الحق:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..
[المائدة: 90]. إذن فقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. ﴾ [النساء: 43]، مرحلة من مراحل التلطف في تحريم الخمر، فحرمها زمنا، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه، إنه أوضح لك: اعملها بعيدا، لكن عندما تأتيني فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك، ﴿ حتى تعلموا ما تقولون.. ﴾ [النساء: 43] فكأن هذه أعطتنا حكما: أن الذي يسكر لا يعرف ماذا يقول، هذه واحدة، وما دام لا يعرف ما يقوله، إن كان في المسائل العادية فليقل ما يقول، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحد، وعندما تصل إلى هذا الحد يتدخل ربنا فيقول: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. ﴾ [النساء: 43]. ثم جاء بحكم آخر: ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا.. ﴾ [النساء: 43] ومعروف ما هي الجنابة: إنها الأثر الناتج عن التقاء الرجل بالمرأة. ويقال: إنها اللذة التي يغيب فيها الفكر عن خالقه، وهذه لذة يسمونها " جماع اللذات " لأنها تعمل في البدن تلك الرعشة المخصوصة التي تأخذ خلاصات الجسم ولذلك قيل: إنه نور عينيك ومخ ساقيك فأكثر منه أو أقلل يعني أنا أعطيك هذه القدرة وأنت حر ونحن نغتسل لنعيد النشاط إلى النفس البشرية، وليس لأحد شأن بهذه المسائل ما دامت تتم في ضوء شريعة الله وشأننا في ذلك أن نأتمر بأمر ربنا ونغتسل من الجنابة سواء فهمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نفهم. ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل.. ﴾ [النساء: 43] إذا كان المراد بالصلاة، فلا تقربوا الصلاة، بالسكر أو بالجنابة ولم يقل: " لا تصلوا ". والصلاة مكانها المسجد، فقول: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا.. ﴾ [النساء: 43]، أي لا تقربوا الصلاة، والقرب عرضة أن يكون ذهابا للمسجد، فكأنه يقول: لا تذهب إلا إذا كان المسجد لا طريق للماء إلا منه. ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر.. ﴾ [النساء: 43] أي كان عندكم عذر يمنع من الماء. ﴿ أو جآء أحد منكم من الغآئط.. ﴾ [النساء: 43]، و " الغائط " هو: الأرض الوطيئة، الهابطة قليلا، وكانوا يقضون فيها حاجاتهم،، وأصبح علما على قضاء الحاجة، وكل واحد منا يكنى عنها بأشياء كثيرة فيقول واحد: أنا أريد أن أذهب إلى " بيت الماء " ويتساءل آخر أين " دورة المياه؟ " وفي هذا تلطف في الإخبار عن عملية تستقذرها النفس ولذلك نقول في العبارات الشائعة: أنا ذاهب - أعمل زي الناس - يعني أنا لست بدعا أن أقضي حاجتي، فكل الناس تعمل هذا. فربنا سبحانه وتعالى يقول: { أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا.