تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. أي سمو إيماني هذا؟ لكن المنافقون قالوا للأنصار: لا تنفقوا أموالكم على من عند رسول الله حتى ينفضوا. لكن المؤمنين لم ينفضوا. إنهم قد تركوا النعيم والأموال في مكة وجاءوا إلى الهجرة، فهم لم يأتوا ليأخذوا نعيما مظنونا محدودا قليلا، وحسبهم ما وعدوا به من نعيم متيقن عريض باق. لقد عرفوا بالإيمان أن نعيم الدنيا إما أن تفوته بالموت وإما أن يفوتك بالتقلب، لكن نعيم الآخرة ليس له حد ينتهي عنده، ولا يفوتك ولا تفوته. ثم سبحانه يقول: ﴿ ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله.. ﴾ [النساء: 37]، وساعة ترى شيئا يكتم شيئا، لا بد أن تفهم منها أن هذا الكتم معناه: منع شيء يريد أن يخرج بطبيعته، وكما يقولون: اكتم الدم فلو لم تكتمه يستطرق. كأن المال أو العلم يريد أن يخرج للناس ولكن أصحابه يكتمونه. وكأن الفطرة الطبيعية في كل رزق سواء أكان رزقا ماديا أم رزقا معنويا أنه يستطرق لأن كل شيء مخلوق لخدمة الإنسان فعندما يأتي إنسان ويحوز شيئا مما هو مخلوق لخدمة الإنسان ويحجبه فهو بذلك يمنع الشيء المكتوم من رسالته لأن كل شيء مخلوق لخدمة بني آدم، فعندما تعوقه عن هذه الخدمة فالشيء يحزن، وليتسع ظنكم إلى أن الجمادات تحزن أيضا.

فما بكت عليهم السمآء والأرض..

[الدخان: 29]. فالسماء والأرض لهما بكاء، ليس بكاء دموع إنما بكاء يعلم الله كنهه وحقيقته، إذن فقوله: ﴿ ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله.. ﴾ [النساء: 37]. كأنه يقول: ما آتاه لك الله من فضله ليس ملكك، وليس ذاتية فيك، فأنت لم تأت به من عندك. وانظر إلى الكون حولك تجده كله أغيارا، ألم تر في حياتك قادرا أصبح عاجزا؟ ألم تر غنيا أصبح فقيرا؟ فالدنيا دول، وما من واحد إلا ويمر أمام عينيه وفي تاريخه وفي سماع من يثق بكلامه أنه " كان " هناك غني ثم صار فقيرا، فلماذا لا تعتبر بالأغيار التي قد تمر بك، وبعد أن كان يطلب منك أن تعطي، صرت في حال يطلب الحق سبحانه من غيرك أن يعطيك، ادخر لنفسك الآن - بالخير تبذله - حتى إذا جاءتك الأغيار تجد لك ما ينتظرك. ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ [النساء: 37] انظر ماذا فعل فيه البخل، إنه جعل صاحبه كافرا لأن البخيل ستر نعمة كان من الممكن أن تتسع له ولغيره، فجاء له بالشيء الذي يخيف: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ﴾ [النساء: 37] " أعتدنا " أي أعددنا وهيأنا. فالمسألة موجودة وقد أعدت، والنبي صلى الله عليه وسلم حينما يتكلم عن الجنة يقول:

" عرضت علي الجنة لو مددت يدي لتناولت من قطوفها ".

هذه ثقة اليقين في أنها مسألة جاهزة وليست تحت الإعداد، ومن الذي أعد؟ إنه الله، قوي القوي، قدرة القدر هي التي تعد، وهو يعدها على قدر سعة قدرته، عذاب مهين لأنه قد يتطاول أحد ويقول: أنا أتحمل العذاب، كما قال الشاعر:

وتجلدي للشامتين أريهمو

أني لريب الدهر لا أتضعضع

فسبحانه يوضح: لن يلقى البخيل العذاب فقط، بل سيلقى عذابا مهينا. ثم يأتي الحق سبحانه بالمقابل، يأتي بغير البخيل، فيقول: ﴿ والذين ينفقون أموالهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٥٤