. } [النساء: 34] يعني أن النشوز أمر متخوف منه ومتوقع ولم يحدث بعد. وكيف يكون العلاج؟ يقول الحق: ﴿ فعظوهن.. ﴾ [النساء: 34] أي ساعة تراها تنوي هذا فعظها، والوعظ: النصح بالرقة والرفق، قالوا في النصح بالرقة: أن تنتهز فرصة انسجام المرأة معك، وتنصحها في الظرف المناسب لكي يكون الوعظ والإرشاد مقبولا فلا تأت لإنسان وتعظه إلا وقلبه متعلق بك. ولنفترض أن ابنا طلب من والده طلبا، ولم يحضره الأب، ثم جاءت الأم لتشكو للأب سلوك الابن، فيحاول الأب إحضار الطلب الذي تمناه الابن، ويقول له: - تعال هنا يا بني، إن الله قد وفقني أن أحضر لك ما طلبت. وفي لحظة فرح الابن بالحصول على ما تمنى، يقول له الأب: لو تذكرت ما قالته لي أمك من سلوكك الرديء لما أحضرته لك. ولو سب الأب ابنه في هذه اللحظة فإن الابن يضحك. لماذا؟ لأن الأب أعطى الابن الدرس والعظة في وقت ارتباط قلبه وعاطفته به. ولكن نحن نفعل غير ذلك. فالواحد يأتي للولد في الوقت الذي يكون هناك نفور بينهما، ويحاول أن يعظه لذلك لا تنفع الموعظة، وإذا أردنا أن تنفع الموعظة يجب أن نغير من أنفسنا، وأن ننتهز فرصة التصاق عواطف من نرغب في وعظه فنأتي ونعطي العظة. هكذا ﴿ فعظوهن.. ﴾ [النساء: 34] هذه معناها: برفق وبلطف، ومن الرفق واللطف أن تختار وقت العظة، وتعرف وقت العظة عندما يكون هناك انسجام، فإن لم تنفع هذه العظة ورأيت الأمر داخلا إلى ناحية الربوة والنشوز فانتبه. والمرأة عادة تدل على الرجل بما يعرف فيه من إقباله عليها. وقد تصبر المرأة على الرجل أكثر من صبر الرجل عليها لأن تكوين الرجل له جهاز لا يهدأ إلا أن يفعل. لكن المرأة تستثار ببطء، فعندما تنفعل أجهزة الرجل فهو لا يقدر أن يصبر، لكن المرأة لا تنفعل ولا تستثار بسرعة، فأنت ساعة ترى هذه الحكاية، وهي تعرفك أنك رجل تحب نتائج العواطف والاسترسال فأعط لها درسا في هذه الناحية، اهجرها في المضجع. وانظر إلى الدقة، لا تهجرها في البيت، لا تهجرها في الحجرة، بل تنام في جانب وهي في جانب آخر، حتى لا تفضح ما بينكما من غضب، اهجرها في المضجع لأنك إن هجرتها وكل البيت علم أنك تنام في حجرة مستقلة أو تركت البيت وهربت، فأنت تثير فيها غريزة العناد، لكن عندما تهجرها في المضجع فذلك أمر يكون بينك وبينها فقط، وسيأتيها ظرف عاطفي فتتغاضى، وسيأتيك أنت أيضا ظرف عاطفي فتتغاضى، وقد يتمنى كل منكما أن يصالح الآخر. إذن فقوله: ﴿ واهجروهن في المضاجع.. ﴾ [النساء: 34] كأنك تقول لها: إن كنت ستدلين بهذه فأنا أقدر على نفسي.
ويتساءل بعضهم: وماذا يعني بأن يهجرها في المضاجع؟. نقول: ما دام المضجع واحدا فليعطها ظهره وبشرط ألا يفضح المسألة، بل ينام على السرير وتغلق الحجرة عليهما ولا يعرف أحد شيئا لأن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت، وساعة يخرج الرجل وعواطفه تلتهب قليلا، يرجع ويتلمسها، وهي أيضا تتلمسه. والذي يفسد البيوت أن عناصر من الخارج تتدخل، وهذه العناصر تورث في المرأة عنادا وفي الرجل عنادا لذلك لا يصح أن يفضح الرجل ما بينه وبين المرأة عند الأم والأب والأخ، ولنجعل الخلاف دائما محصورا بين الرجل والمرأة فقط. فهناك أمر بينهما سيلجئهما إلى أن يتسامحا معا. ﴿ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن.. ﴾ [النساء: 34] وقالوا: إن الضرب بشرط ألا يسيل دما ولا يكسر عظما، أي يكون ضربا خفيفا يدل على عدم الرضا ولذلك فبعض العلماء قالوا: يضربها بالسواك. وعلمنا ربنا هذا الأمر في قصة سيدنا أيوب عندما حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة، قال له ربنا:
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث..
[ص: 44]. والضغث هو الحزمة من الحشيش يكون فيها مائة عود، ويضربها ضربة واحدة فكأنه ضربها مائة ضربة وانتهت. فالمرأة عندما تجد الضرب مشوبا بحنان الضارب فهي تطيع من نفسها، وعلى كل حال فإياكم أن تفهموا أن الذي خلقنا يشرع حكما تأباه العواطف، إنما يأباه كبرياء العواطف، فالذي شرع وقال هذا لابد أن يكون هكذا. ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن.. ﴾ [النساء: 34] أي ضربا غير مبرح، ومعنى: غير مبرح أي ألا يسيل دما أو يكسر عظما ويتابع الحق: ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.. ﴾ [النساء: 34]. فالمسألة ليست استدلالا. بل إصلاحا وتقويما، وأنت لك الظاهر من أمرها، إياك أن تقول: إنها تطيعني لكن قلبها ليس معي وتدخل في دوامة الغيب، نقول لك: ليس لك شأن لأن المحكوم عليه في كل التصرفات هو ظاهر الأحداث. أما باطن الأحداث فليس لك به شأن ما دام الحق قال: ﴿ أطعنكم.. ﴾ [النساء: 34] فظاهر الحدث إذن أن المسألة انتهت ولا نشوز تخافه، وأنت إن بغيت عليها سبيلا بعد أن أطاعتك، كنت قويا عليها فيجب أن تتنبه إلى أن الذي أحلها لك بكلمة هو أقوى عليك منك عليها وهذا تهديد من الله. ومعنى التهديد من الله لنا أنه أوضح: هذه صنعتي، وأنا الذي جعلتك تأخذها بكلمتي " زوجني.. زوجتك " ، وما دمت قد ملكتها بكلمة مني فلا تتعال عليها لأنني كما حميت حقك أحمي حقها. فلا أحد منكما أولى بي من الآخر، لأنكم صنعتي وأنا أريد أن تستقر الأمور، وبعد هذا الخطاب للأزواج يأتي خطاب جديد في قول الحق من بعد ذلك: ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا... ﴾.