وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها..
[النور: 31]. فالمرأة إن لم تغض النظر يحدث التفات عاطفي لأن كل شعور في الإنسان له ثلاث مراحل: مرحلة أن يدرك، ومرحلة أن يجد في نفسه، ومرحلة أن ينزع، أي يحول الأمر إلى سلوك، ونضرب دائما المثل بالوردة. وأنت تسير ترى وردة في بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا إدراك، وإذا أعجبتك الوردة وعشقتها وأحببتها فهذا اسمه وجدان. وإذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية نزوعية، فكم مرحلة؟ ثلاث مراحل: إدراك، فوجدان. فنزوع. ومتى يتدخل الشرع؟ الشرع يتدخل في عملية النزوع دائما. يقول لك: أنت نظرت الوردة ولم نعترض على ذلك، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئا، لكن ساعة جئت لتمد يدك لتأخذها قلنا لك: لا، الوردة ليست لك. إذن فأنت حر في أن تدرك، وحر في أن تجد في نفسك، إنما ساعة تنزع نقول لك: لا، هي ليست لك، وإن أعجبتك فازرع لك وردة في البيت، أو استأذن صاحبها مثلا. إذن فالتشريع يتدخل في منطقة النزوع، إلا في أمر المرأة فالتشريع يتدخل من أول الإدراك لأن الذي خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالا، نظرنا له، وستتولد عندنا مواجيد بالنسبة للأشياء التي نراها ونشتهيها، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لا يمكن أن ينفصل هذا عن النزوع لأنك - كرجل - مركب تركيبا كيميائيا بحيث إذ أدركت جمالا ثم حدث لك وجدان واشتهاء، فالاشتهاء لا يهدأ إلا بنزوع، فيبين لك الشرع: أنا رحمتك من أول الأمر، وتدخلت من أول المسألة.
وكل شيء أتدخل فيه عند النزوع إلا المرأة فقد تدخلت فيها من أول الإدراك لذلك أمر الحق الرجل أن يغض البصر، وكذلك أمر المرأة. لماذا؟ لأنك إن أدركت فستجد، وإن وجدت فستحاول أن تنزع ونزوعك سيكون عربدة في أعراض الناس، وإن لم تنزع فسيبقى عندك كبت لذلك حسم الحق المسألة من أولها وقال:
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن..
[النور: 30-31]. فامنعوا المسألة من أول مراحلها لماذا؟ لأنني عندما أرى وردة، ثم قالوا لي: هي ليست لك فلا تقطفها، فلا يحدث عندي ارتباك في مادتي، لكن عندما يرى الرجل امرأة جميلة وتدخل في وجدانك فسيحدث عنده النزوع لأن له أجهزة مخصوصة تنفعل لهذا الجمال، ولذلك يوضح لك الحق: أنا خالقك وسأتدخل في المسألة من أول الأمر، فقوله: ﴿ بما حفظ الله.. ﴾ [النساء: 34] أي بالمنهج الذي وضعه الله للحفظ: ألا أعرض نفسي إلى إدراك فينشأ عنه وجدان، وبعد ذلك أفكر في النزوع، فإن نزعت أفسدت، وإن لم تنزع تعقدت، فيأتي شر من ذلك، هذا معنى: ﴿ بما حفظ الله.. ﴾ [النساء: 34]، يعني انظروا إلى المنهج الذي وضعه الله لأن تحفظ المرأة غيبة زوجها، وهي تحفظه ليس بمنهج من عندها. بل المنهج الذي وضعه خالقها وخالقه. وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى حينما يربى من عبده حاسة اليقظة قال: ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن.. ﴾ فالنشوز لم يحدث بل مخافة أن يحدث، فاليقظة تقتضي الترقب من أول الأمر، لا تترك المسألة حتى يحدث النشوز، و " النشوز " من " نشز " أي ارتفع في المكان. ومنه " النشز " وهو المكان المرتفع، وما دام الحق قد قال: ﴿ الرجال قوامون على النسآء.. ﴾ [النساء: 34] فالمعنى هنا: من تريد أن تتعالى وتوضع في مكانة عالية؟ ولذلك فالنشاز حتى في النغم هو: صوت خارج عن قواعد النغم فيقولون: هذه النغمة نشاز، أي خرجت عن قاعدة النغمة التي سبقتها. وكذلك المرأة المفروض فيها أنها تكون متطامنة، فإن شعرت أن في بالها أن تتعالى فإياك أن تتركها إلى أن تصعد إلى الربوة وترتفع. بل عليك التصرف من أول ما تشعر ببوادر النشوز فتمنعه، ومعنى قوله: { واللاتي تخافون.