قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك..
[النمل: 40]، لقد جاء الحق بواحد من الإنس حتى لا يظن الجن أنه أخذ خفة قانونه وشفافيته وسرعته من عنصر تكوينه بل إنه أخذها بإرادة المكون - سبحانه - إذن فالمسألة ليست عنصرية بل هي إرادة الله إنه - جلت قدرته - أوضح: أنا أستطيع أن أجعل من الجنس القوي بقانونه وهو الجن محكوما لواحد من الإنس، ويجعله يعمل ما يريده. ولم يطلقها الله كطاقة ممنوحة لكل البشر حتى لا تحدث فتنة عند من يعرفها لأنها ستعطيه فرصة ليست موجودة عند غيره. وقد يطغى بها وهذا هو السحر. وأوضحنا ذلك عند قوله سبحانه:
واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر..
[البقرة: 102]. فتنة، لماذا؟، لأنك تأخذ فرصة ليست موجودة لغيرك، وعندما توجد عندك فرصة ليست موجودة لغيرك فأنت لا تضمن نفسك أن تستعملها في الضار فقد تستعملها في ذلك فستذهب بك إلى النار.
والحق يقول:
فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم..
[البقرة: 102]. إذن فالحق سبحانه وتعالى من طلاقة قدرته يعطي للجنس الضعيف وهو الإنسان شيئا يستطيع به أن يسخر الأقوى وهو الجن، والجن يعرف هذه الحكاية. ولذلك فكل الذين يتمثل لهم الجن لا يأتي ويدوم بل يأتي لمحة خاطفة لأنه لا يستطيع أن يستقر على صورته التي يتمثل فيها، فلو تمثل بإنسان أو بحيوان مثلا لحكمته الصورة، وإن حكمته الصورة، واستطاع من يراه أن يطلق عليه رصاصة من " مسدسه " لقتله! ولذلك فالجن يأتي لمحة مثل ومضة البرق ويختفي، إنها طلاقة قدرة الحق التي يمكن أن تعطي للجنس الأقل - الإنسان - قوة القدرة على أن يسخر الجنس الأقوى - الجن -، لكن هذه ليست في مصلحة الإنسان، ولذلك فالمؤمن من الجن يقول: أنا أكتفي في جنسي بقانوني، فربما يجعلني عدم تكافؤ الفرص طاغيا، لأن من يملكون هذه القدرة يطغون في الناس. والذي يقوم بعمل تكره به المرأة زوجها ويكره به الزوج امرأته هو نفسه من يحل مثل هذ العمل، ومن مصلحته أن تستمر هذه الحكاية. ولذلك لا أحد يتغلب على تلك المسألة إلا إذا استحضر قول الحق:
وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله..
[البقرة: 102] فالسحر وارد بنص القرآن، لكن يجب أن تعلم أن هذه ليست طبيعية في السحرة ولا ذاتية فيهم، وإذا أراد الله ألا يضار الإنسان بالسحر فلن ينفع السحر، وإن اتسعت المعرفة بهذا الأمر تكون فتنة للناس، والذي يتبع هؤلاء السحرة ويذهب لهم ليفكوا له السحر، ويذهب لهم ليسحروا له الخصوم، وينفتن فيهم يعيش طوال عمره مرهقا مصداقا لقوله الحق:
وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا
[الجن: 6]. صحيح أنهم يقدرون أن يسحروا، لكن ذلك السحر يزيد المتسبب فيه رهقا وتعبا. وعلى المؤمن أن يحمي نفسه بهذا الدعاء: " اللهم قد أقدرت بعض خلقك على السحر، واحتفظت لذاتك بإذن الضر، فأعوذ مما أقدرت عليه بما احتفظت به ". عندئذ لن يخافهم ولن يجدوا سبيلا لهم إليه، فهم يستغلون الضعيف فقط، والسحر يوجد عدم تكافؤ فرص، ويفتن الناس في الناس، ويؤدي إلى إخلال توازن المجتمع. وبعد ذلك تجيء كبيرة منع الزكاة، والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا أن نزكي، إنما يلفتنا إلى أننا لم نأت بشيء من عندنا فالعقل الذي يخطط للعمل مخلوق لله، والجوارح التي تعمل مخلوقة لله، والأرض التي تعمل فيها أو الصنعة التي نصنعها مخلوقة لله. إذن فكل حاجة لله، لكنه أوضح لك: سأحترم عملك، وعليك أن تعطي أخاك الفقير بعضا مما رزقتك به.