ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض..
[النمل: 25]. إذن فهو يعرف من الذي يستحق السجود، ولاحظ أنه جاء ب " الخبء " لأن طعامه دائما من تحت الأرض، ينقر ويخرج رزقه. واستمرت القصة حتى قال سليمان لمن يجلس معه:
أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين
[النمل: 38]. وهذا يدل على أن سليمان عليه السلام كان على علم بأن بلقيس - ملكة سبأ - في الطريق إليه، ومعنى أن يقول:
أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين
[النمل: 38] معناها أن الذي يتصدى لهذا الأمر عليه أن يذهب من عند بيت المقدس إلى اليمن ويحل ويحمل العرش ويأتي به قبل أن تأتي بلقيس. بالله هل من قانون بشري يأتي به؟ وكيف ذلك؟. ولذلك لم يتكلم إنسي عادي، فالإنس العادي يعرف أن قانونه البشري لا يقدر على تلك المهمة، لأن سليمان قال:
قبل أن يأتوني..
[النمل: 38]، وما دام قال ذلك فقد علم أنهم في الطريق. فهل يذهب إنسان عادي ويحل العرش ويحمله ويأتي به قبل أن يأتوا؟ لا، ولذلك عرفنا من هذه قول الحق:
ولا تقف ما ليس لك به علم..
[الإسراء: 36]. وهنا يتصدى أحد الأذكياء من الجن قائلا:
قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين
[النمل: 39]. ومن يقول ذلك ليس بجن عادي، فالجن أيضا فيهم عفاريت أذكياء وفيهم من هو عاجز قليل الذكاء، مثل الإنسان، ومن قال ذلك أكد أنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فكم يمكث من الوقت؟ لا نعرف، ترى هل يجلس سليمان مع القوم ساعتين أو ثلاث ساعات لا نعرف، إذن فتأخذ هذه العملية زمن مقامه، لكن ها هو ذلك الإنسي الذي أعطاه الله فتحا من الكتاب وعلما يقول:
قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك..
[النمل: 40]. الإنسي العادي لم يتكلم، والعفريت من الجن قال:
أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك..
[النمل: 39] أما الإنسي الذي أعطاه الله الفتح من الكتاب فقد قال:
أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك..
[النمل: 40] ولذلك انظر إلى الأداء العاجل في القرآن أداء الحركة:
فلما رآه مستقرا عنده..
[النمل: 40]. فالمسألة حدثت على الفور. والمهم لنا هنا أن نعرف أن الجن قال:
أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك..
[النمل: 39]، ومنها نعرف أن له قانونا في الحركة والسرعة، والإنسان الذي وهبه الله علما بالكتاب له قدرة وحركة. إذن فكل جنس من الأجناس له القانون المناسب له. وقد يقف بعض الناس كما وقف كثير من سطحيي المفكرين قائلين: ما الجن والملائكة والعالم الخفي الذين تحدثوننا به؟ نقول: ألا تؤمن إلا بالمحس بالنسبة لك؟ فما رأيك في الميكروبات التي ظهرت الآن بعدما اخترع المجهر؟ لقد كانت موجودة، أكنت تعرفها؟ لقد كانت غيبا عنك، فلماذا لا تأخذ من أن شيئا لم يكن موجودا تحت حسك وغير مدرك بإدراكك، كان موجودا وكنت لا تملك آلة إدراكه، لماذا لا تأخذ من ذلك دليلا على وجود أجناس غير مدركة، وعندما يحدثك القرآن عن هذه الأجناس غير المدركة تتساءل عنها؟ فما المشكلة في هذا؟ وبعد ذلك عندما يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:
" وإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ".
قد تتساءل: وهل الشيطان يجري مجرى الدم، أهو سائل أم ماذا؟ نقول: هو خلق لطيف خفي له قانونه الخاص، فربنا فضح الفكر الملحد وفضح التشكيك في الغيبيات التي يذكرها الله، واكتشفنا أن هناك مخلوقات هي الميكروبات، وهي من الجنس المادي من الطين، لكنها ضئيلة جدا، وماذا يفعل الميكروب؟ إنه ينفذ في الجسم ولا تدري أنت به وهو داخل في جسمك، وبعد ذلك ماذا يفعل في حرارتك؟ وماذا يفعل في جسمك؟- فعندما يقول لك الرسول المبلغ عن الله: إن الشيطان سيجري منك مجرى الدم فما التناقض في هذا؟ إذا كان هناك شيء من مادتك ضئيل ولا تعرف كيف دخل، ولا تشعر به وهو داخل، ثم يقلب ميزانك في الحرارة ويمارس العبث بكل جسمك، فتهيج الكرات البيضاء لتقاومه وتخرج الصديد. أي تناقض إذن؟ إن ربنا ترك من غيبيات كونه المادي ما يثبت صدقه في التحدث بغيبيات أخرى: