فأولئك حبطت أعمالهم..
[البقرة: 217]. أي ليس لهم على تلك الأعمال ثواب لأنهم فعلوها وليس في بالهم الذي يعطي الثواب وهو الله. بل كان في بالهم الخلق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فعلت ليقال وقد قيل. أنت فعلت ليقال وقد قيل، وقالوا عنك إنك محسن كبير، قالوا: إنك بنيت المسجد، وقرأوا اللافتة التي وضعتها على المسجد وسط احتفال كبير. ويقول الحق:
وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا
[الفرقان: 23]. أنت فعلت ليقال وقد قيل ولذلك فالذين عملوا مثل هذه ووضعوا لافتات من رخام عليهم أن يفطنوا لهذا الأمر، وإن كان الواحد منهم حريصا على أنه يأخذ الثواب من يد الله فليرفع هذه اللافتة ويسترها وتنتهي المسألة، فالله سبحانه وتعالى يحب ممن يتصدق أن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم:
" ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".
فأنت حين تتصدق لماذا تفضح من يتقبل الصدقة. والحق يقول: ﴿ إن تجتنبوا.. ﴾ [النساء: 31]، و " الاجتناب " هو إعطاء الشيء جانبا، ولذلك يقولون: فلان ازور جانبه عني، أي أنه عندما قابلني أعطاني جانبه، والمراد في قوله: { إن تجتنبوا.
. } [النساء: 31] هو التباعد، والحق ساعة يطلب منك ألا تصنع الحدث ويطلب منك بأسلوب آخر أن تجتنبه، فهذا يدل على أن الاجتناب أبلغ، لأن الاجتناب معناه ألا تكون مع المنهي عنه في مكان واحد فعندما يقول الحق:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان..
[الحج: 30]. وعندما يقول:
واجتنبوا قول الزور
[الحج: 30]. فاجتنبوه أي: ابتعدوا عنه. لماذا؟ لأن حمى الله محارمه.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه.. ".
والحق يقول:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
[المائدة: 90]. واجتنابه يكون بألا توجد معه في مكان واحد يخايلك ويشاغلك ويتمثل لك، فعندما تكون مثلا في منطقة الذين يشربون الخمر يقول لك الحق: اجتنبها. أي لا تذهب إليها لأن الخمر عندما توجد أمامك وترى من يشربون وهم مستريحون مسرورون، فقد تشربها، لكن عندما تجتنب الخمر ومجالسها فأنت لا تقع في براثنها وإغرائها، ولذلك قلنا: إن الاجتناب أبلغ من التحريم، وهناك أناس يبررون الخمر لأنفسهم ويقولون: إن الخمر لم يرد فيها تحريم بالنص!! نقول لكل واحد منهم: حسبك أن شرب الخمر قرن بالرجس من الأوثان، فالحق يقول:
واجتنبوا الطاغوت..
[النحل: 36]. فاجتناب الطاغوت ليس معناه ألا تعبده، بل إياك أن تراه، إذن فاجتناب الخمر ليس بألا تشربها، بل إياك أن تكون في محضرها. " والكبائر " جمع " كبيرة " ، وما دام فيه " كبيرة " يكون هناك مقابل لها وهي " صغيرة " و " أصغر " ، فالأقل من " الكبيرة " ، ليس " صغيرة " فقد لأن فيه " صغيرة " ، وفيه " أصغر " من " الصغيرة " وهو " اللمم ". والحق يقول: ﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم.. ﴾ [النساء: 31] و " السيئات " منوطة بالأمر الصغير وبالأصغر، لكن هذه المسألة وقف فيها العلماء، قالوا: معنى ذلك أننا سنغري الناس بفعل السيئات ما داموا قد اجتنبوا الكبائر فقد يفعلون الصغائر. نقول: لا، فالإصرار على الصغيرة كبيرة من الكبائر لذلك لا تجز الصغائر لنفسك فالحق يكفر ما فلت منك فقط ولذلك يقول الحق:
إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب..