ولا تنسوا الفضل بينكم..
[البقرة: 237]، فلا لوم ولا تثريب فيما يتراضى به الزوجان من بعد الفريضة، وكلمة ﴿ تراضيتم.. ﴾ [النساء: 24] تدخل في قوله سبحانه:
فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا
[النساء: 4]. وفي عصرنا نجد أن المرأة تأخذ مهرها من الرجل وتجهز منه أثاث البيت، مع أن المفروض أن يجهز الرجل لزوجته البيت وأن يبقى المهر كاملا لها، ولكن التعاون هو الذي يعطي العطف والتكاتف. ويذيل الحق الآية: ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾ [النساء: 24] إذن فكل أحكام الله مبنية على العلم بما يصلح خلقه، ولا يغيب عنه أمر كي يؤخر تشريعه، فتأخير التشريع يعني: أن الذي شرع غاب عن ذهنه جزئيات ما كانت في باله ساعة شرع، وحين يأتي الواقع يأتي له بجزئيات لم تكن موجودة، فيضطر إلى إصدار تشريع جديد يستدرك به ما لم يكن في باله. والذين يقولون: إن التشريع الإلهي لا يغطي حاجة البشر نقول لهم: من الذي سيغطيه؟ أنتم يا مفكرون أتعدلون على الله؟ إن الله يكشفكم أنكم تأتون بتقنينات، وبعد ذلك يظهر عيبها وعوارها وأخطاؤها فتضطرون أن تعدلوا، فسبحانه عليم حكيم. فإن أخر حكما عن ميعاده فقد اقتضت الحكمة أن يكون كذلك. ومثال ذلك تحريم الخمر، لم يجيء به مرة واحدة، لأن الشيء الذي تحكمه العادة والإلف، لا بد فيه من التريث، وأن يصدر التشريع على مراحل، وكل مرحلة تسهل المسألة بالنسبة لما سبقها، ويكون الأمر صعبا إذا كان التشريع دفعة واحدة لأن ترك العادة دون تدرج يكون عسيرا شاقا لأن أهم شيء في الخمر أنها تقود إلى الاعتياد، بدليل أن مدمن الخمر عندما يمر عليه الوقت يضطرب فيأخذ كأسا ليستريح، وأول مرحلة في التحريم أن الحق كسر الاعتياد، وما دامت هي عادة متغلغلة فمن الصعب جدا أن ينزعها صاحبها عن نفسه مرة واحدة.
فأولا جاء الأمر كعظة، وبعد ذلك يقول:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون
[النساء: 43]. وما دامت لا تشربها وأنت تصلي فكم مرة تصلي؟ خمس مرات في النهار، إذن فعودك أن تترك وقتا من الأوقات غير ملتبس بالخمر، وتكون قد تعودت على ترك الخمر طوال النهار، وبعد ذلك يتدرج فيقول:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس..
[البقرة: 219]. لكن الأحمق عادة يرجح الإثم ويفعله، وما دام سبحانه قال:
فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219] إذن فالإثم يترجح. وبعد ذلك جعلها بعلمه - سبحانه - أمرا نهائيا، والحكمة شاءت أن يكون التحريم بالتدريج. ويطمئننا الحق على أن علمه وحكمته منوط بها إخراج الأحكام، ولذلك قال:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير
[البقرة: 106]. وسبحانه عليم لا يخفى عليه شيء، ويعلم أن امرأة أحبت زوجها لدرجة أن هذا الأجر ليس له قيمة، أو رجل أحب زوجته أيضا لدرجة أن النقود ليس لها قيمة عنده، وما دام سبحانه حكيم. فهو قد يجري الأمور لا بحتمية ما افترض، ولكن بإبقاء على فضل المتعاملين. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا... ﴾.