[المجادلة: 8]. هنا يخبر الله سبحانه الرسول عن شيء حاضر ومكتوم في نفوس أعدائه. وبالله لو لم يكونوا قد قالوه في أنفسهم، لما صدقوا قول الرسول الذي جاءه إخبارا عن الله. وقد خرق الله أمام رسوله حجاب الذات وحجاب المكان. والأمر الثالث: هو حجاب المستقبل، فيقول القرآن:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. ونلحظ أن كلمة
سيهزم..
[القمر: 45] فيها حرف " السين " التي تنبئ عن المستقبل، وقد نزلت هذه الآية في مكة وقت أن كان المسلمون قلة وهم مضطهدون ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وعندما يسمعها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينفعل ويقول لرسول الله: أي جمع هذا؟ وجاء الجمع في بدر وولى الدبر. حدث ذلك الإخبار في مكة، ووقعت الأحداث بعد الهجرة. وكانت الهجرة في الترتيب الزمني مستقبلا بالنسبة لوجود المسلمين في مكة.
أكان من الممكن أن يقول سبحانه:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] لولا أن ذلك سيحدث بالفعل؟ لو حدث غير ذلك لكذبه المؤمنون به. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك إبلاغا عن الله وهو واثق، ويطلقها الله على لسان رسوله حجة فيمسكها الخصم، ثم يثبت صدقها لأن الذي قالها هو من يخلق الأحداث ويعلمها. ويأتي في الوليد بن المغيرة وهو ضخم وفحل وله مهابة وصيت وسيد من سادة قريش، فيقول الحق:
سنسمه على الخرطوم
[القلم: 16]. أي سنضربه بالسيف ضربة تجعل على أنفه علامة في أعلى منطقة فيه. ويأتي يوم بدر، فيجدون الضربة على أنف الوليد. لقد قالها الحق على لسان رسوله في زمن ماض ويأتي بها الزمن المستقبل، وعندما تحدث هذه المسألة فالذين آمنوا بمحمد وبالقرآن الذي نزل على محمد يتأكدون من صدق رسول الله في كل شيء. ويأخذون الجزئية البسيطة ويرقونها فيصدقون ما يخبرهم به من أمر الدنيا والآخرة. ويقولون: - إذا أخبرنا رسول الله بغيب يحدث في الآخرة فهو الصادق الأمين، ويأخذون من أحداث الدنيا الواقعة ما يكون دليلا على صدق الأحداث في الآخرة. ويذيل الحق الآية: ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 17] أي عليما بالتقنينات فشرع التوبة لعلمه - جل شأنه - بأنه لو لم يشرع التوبة، لكان المذنب لمرة واحدة سببا في شقاء العالم لأنه - حينئذ - يكون يائسا من رحمة الله. إذن فرحمة منه - سبحانه - بالعالم شرع الله التوبة. وهو حكيم فإياك أن يتبادر إلى ذهنك أن الحق قد حمى المجرم فحسب حين شرع له التوبة، إنه سبحانه قد حمى غير المجرم أيضا. وساعة نسمع الزمن في حق الحق سبحانه وتعالى كقوله: " كان " فلا نقول ذلك قياسا على زماننا نحن، أو على قدراتنا نحن، فكل ما هو متعلق بالحق علينا أن نأخذه في نطاق
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. فقد يقول الكافر: " إن علم الله كان " ويحاول أن يفهمها على أنه علم قد حدث ولا يمكن تكراره الآن، لا، فعلم الله كان ولا يزال لأن الله لا يتغير، وما دام الله لا يتغير، فالثابت له من قبل أزلا يثبت له أبدا والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وما دام قد قدر سبحانه وضع الشيء، فالشيء إنما جاء عن علم، وحين يطابق الشيء موضعه فهذه هي مطلق الحكمة. والحق يقول: ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 17]. لقد شرع الله سبحانه التوبة ليتوب عباده، فإذا تابوا قبل توبتهم، وهذا مبني على العلم الشامل والحكمة الدقيقة الراسخة. وانظروا إلى دقة العبارة في قوله: " إنما التوبة على الله " ، فساعة يوجد فعل إيجابي يقال: على من، لكن عندما لا يأتي بفعل إيجابي لا يقال: عل من، بل يقال: ليس بالنفي. إن الحق عندما قرر التوبة عليه - سبحانه - وأوجبها على نفسه، للذين يعملون السوء بجهالة ويتوبون فورا، إنه يدلنا أيضا على مقابل هؤلاء، فيقول: ﴿ وليست التوبة للذين... ﴾.