ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم
[التوبة: 118]. هنا وقف العلماء وحق لهم أن يتساءلوا: هل يتوب العبد أولا وبعد ذلك يقبل الله التوبة؟ أم أن الله يتوب على العبد أولا ثم يتوب العبد؟، صريح الآية هو:
ثم تاب عليهم ليتوبوا..
[التوبة: 118] ونقول: وهل يتوب واحد ارتجالا منه، أو أن الله شرع التوبة للعباد؟ لقد شرع الله التوبة فتاب العبد، فقبل الله التوبة. نحن إذن أمام ثلاثة أمور: هي أن الله شرع التوبة للعباد ولم يرتجل أحد توبته ويفرضها على الله، أي أن أحدا لم يبتكر التوبة، ولكن الذي خلقنا جميعا قدر أن الواحد قد يضعف أمام بعض الشهوات فوضع تشريع التوبة. وهو المقصود بقوله
ثم تاب عليهم ليتوبوا..
[التوبة: 118] أي شرع لهم التوبة وبعد ذلك يتوب العبد إلى الله
ليتوبوا..
[التوبة: 118] وبعد ذلك يكون القبول من الله وهو القائل:
غافر الذنب وقابل التوب..
[غافر: 3]. تأمل كلمة ﴿ إنما التوبة على الله.. ﴾ [النساء: 17] تجدها في منتهى العطاء، فإذا كان الواحد فقيرا ومدينا وأحال دائنه إلى غنى من العباد فإن الدائن يفرح لأن الغني سيقوم بسداد الدين وأدائه إلى الدائن، فما بالنا بالتوبة التي أحالها الله على ذاته بكل كماله وجماله، إنه قد أحال التوبة على نفسه لا على خلقه، وهو سبحانه أوجب التوبة على نفسه ولا يملك واحد أن يرجع فيها، ثم قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب.. ﴾ [النساء: 17] أي أن العبد يرجو التوبة من الله، وحين قال: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم.. ﴾ [النساء: 17] أي أن سبحانه قابل للتوب وغافر للذنب وحين يقول سبحانه: ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 17] فنحن نعلم أن كل تقنين لأي شيء يتطلب علما واسعا بما يمكن أن يكون وينشأ. والذين يتخبطون في تقنينات البشر، لماذا يقننون اليوم ثم يعدلون عن التقنين غدا؟ لأنهم ساعة قننوا غاب عنهم شيء من الممكن أن يحدث، فلما حدث ما لم يكن في بالهم استدركوا على تقنينهم.
إذن فالاضطراب ينشأ من عدم علم المقنن بكل أحوال من يقنن لهم ماضيا وحاضرا ومستقبلا، والمقنن من البشر قد لا يستوعب الأحداث الماضية، وذلك لأنه لا يستوعبها إلا في بيئته أو في البيئة التي وصله خبرها، فحتى في الماضي لا يقدر، ولا في المستقبل يقدر، وكذلك في الحاضر أيضا، فالحاضر عند بيئة ما يختلف عن الحاضر في بيئة أخرى. ونحن نعرف أن حواجز الغيب ثلاثة: أي أن ما يجعل الشيء غيبا عن الإنسان هو ثلاثة أمور: الأمر الأول: هو الزمن الماضي وما حدث فيه من أشياء لم يرها المعاصرون ولم يعرفوها لذلك فالماضي قد حجز عن البشر بحجاب وقوع الأحداث في ذلك الماضي ولذلك يلفتنا الله سبحانه وتعالى في تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر..
[القصص: 44]. ورسول الله لم يكن مع موسى ساعة أن قضى الله لموسى الأمر، ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يمكنه أن يقرأ التاريخ أو يتعلمه. ويقول أيضا سبحانه:
وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
[آل عمران: 44]. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشهد تلك الأزمان التي يأتيه خبرها عن الله، والرسول أمي بشهادة الجميع ولم يجلس إلى معلم. إذن فالذي اخترق حجاب الزمن وأخبر الرسول بتلك الأحداث هو الله. والأمر الثاني: هو حجاب الحاضر، حيث يكون الحجاب غير قادم من الزمن لأن الزمن واحد، ولكن الحجاب قادم من اختلاف المكان، فأنا أعرف ما يحدث في مكاني، ولكني لا أعرف ما الذي يحدث في غير المكان الذي أوجد به، ولا يقتصر الحجاب في الحاضر على المكان فقط ولكن في الذات الإنسانية بأن يضمر الشخص الشيء في نفسه. فالحق يقول:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..