تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. إنه صلى الله عليه وسلم مفوض من الله، وهؤلاء الذين ينادون بالاحتكام إلى القرآن فحسب يريدون أن يشككوا في سنة رسول الله، إنهم يحتكمون إلى كتاب الله، وينسون أو يتجاهلون أن في الكتاب الكريم تفويضا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرع. هم يقولون: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وقولهم لمثل هذا الكلام دليل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقول، لأنهم لو لم يقولوا لقلنا: يا رسول الله لقد قلت: روى المقدام بن معدي كرب قال: حرم النبي صلى الله عليه وسلم " أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وغيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ".

فكيف يا سيدي يا رسول الله ذلك، ولم يقل أحد هذا الكلام؟ إذن فقولهم الأحمق دليل على صدق الرسول فيما أخبر. ويسخرهم الحق، فينطقون بمثل هذا القول لنستدل من قول خصوم النبي على صدق كلام النبي. والحق يقول: ﴿ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات.. ﴾ [النساء: 13] والذي يطيع الله ورسوله في الدنيا هو من أخذ التكليف وطبقه ويكون الجزاء هو دخول الجنة في الآخرة. لكن إدخال الجنة هل هو منهج الدين، أو هو الجزاء على الدين؟ إنه الجزاء على الدين، وموضوع الدين هو السلوك في الدنيا، ومن يسير على منهج الله في الدنيا يدخل الجنة في الآخرة، فالآخرة ليست موضوع الدين، لكن موضوع الدين هو الدنيا، فعندما تريد أن تعزل الدنيا عن الدين نقول لك: لم تجعل للدين موضوعا، إياك أن تقول: موضوع الدين هو الآخرة لأن الآخرة هي دار الجزاء، وفي حياتنا نأخذ هذا المثل: هل الامتحان موضوع المناهج، أو أن المناهج يقرأها الطالب طوال السنة، وهي موضوع الامتحان؟ إن المناهج التي يدرسها الطالب هي موضوع الامتحان، وكذلك فالدنيا هي موضوع الدين، والآخرة هي جزاء لمن نجح ولمن رسب في الموضوع لذلك فإياكم أن تقولوا: دنيا ودين، فلا يوجد فصل بين الدنيا والدين لأن الدنيا هي موضوع الدين. فالدنيا تقابلها الآخرة والدين لهما. الدنيا مزرعة والآخرة محصدة. بهذا نرد على من يقول: إن الدنيا منفصلة عن الدين. ومن يطع الله ورسوله يدخله جنة واحدة أوجنتين أو جنات، وهل دلالة " من " للواحد؟ لا، إن " من " تدل على الواحد، وتدل على المثنى وتدل على الجمع، مثال ذلك نقول: جاء من لقيته أمس ونقول أيضا: جاء من لقيتهما أمس، وتقول ثالثا: جاء من لقيتهم أمس. إذن ف " من " صالحة للمفرد والمثنى والجمع. والحق هنا لا يتكلم عن فرد هنا أو جمع. كما قلنا في أول الفاتحة:

إياك نعبد وإياك نستعين

[الفاتحة: 5]. على الرغم من أن القياس أن تقول: " إياك أعبد وإياك أستعين ". لكن قال سبحانه:

إياك نعبد وإياك نستعين

[الفاتحة: 5] ليوضح لنا أن المؤمنين كلهم وحدة واحدة في العبادة. وهناك من يقول إذا دلت: من على المفرد فقد لحظنا لفظها، وإذا دلت على المثنى أو الجمع فقد لحظنا معناها.

ولمن يقول ذلك نقول: إن هذا الكلام غير محقق علميا لأن لفظ " من " لم يقل أحد إنه للمفرد. بل إنها موضوعة للمفرد والمثنى والجمع. فلا تقل: استعمل لفظ " من " مراعاة للفظ أو مراعاة للمعنى، لأن لفظ " من " موضوع لمعان ثلاثة هي المفرد والمثنى والجمع. وقد سألني أخ كريم في جلسة من الجلسات: لماذا يقول الحق سبحانه في سورة الرحمن:

ولمن خاف مقام ربه جنتان

[الرحمن: 46]. فقلت له: إن سورة الرحمن استهلها الحق سبحانه وتعالى:

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٧٣