تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى

[طه: 134] لو لم يرسل الحق الرسول لكان لهم حجة. ونقول للعلماء: لنفهم هذه المسألة حتى نوضح لكم أنكم تختلفون في أمر كان يجب عليكم ألا تختلفوا فيه. أبالعقل يعلم الإنسان مطلوب الله منه؟ أم أن العقل يهديني إلى وجود قوة أعلى خلقت هذا الكون وتدبره؟.

وما اسم هذه القوة؟. وما مطلوب هذه القوة؟. أيعرف العقل ثواب من يتبع المنهج وعقاب من يخرج عن المنهج؟. كل هذه أمور لا يعرفها العقل، فالعقل حجة في الإيمان بقوة عليا فوق ذلك الكون وهي التي خلقته وتدبره وتديره، أما الرسول فهو مبلغ بمطلوبات المنهج واسم القوة التي أرسلت والشرائع التي يجب أن يسير على هداها الإنسان، إذن فليس هناك خلاف بين الرأيين. واسأل: من الذي اكتشف الكهرباء؟. إنه العقل البشري الباحث وراء أسرار الله في الكون، ولا أحد يجهل هذه المسألة. وكذلك أسأل: من أول من تكلم في النسبية؟ إنه أينشتين. وإن سألنا: من أول من تكلم في الجاذبية الأرضية؟. إسحاق نيوتن، وكل واحد اكتشف شيئا في الكون صرنا نعرفه. والذي صمم توليد الكهرباء التي تنير وتضيء وندير بها المصانع، وجعل من سوق الكهرباء صناعة رائجة تعمل فيها القدرات المالية ليشتري الإنسان مصابيح تنير حيزا محدودا، ومصانع تعمل في خدمة الإنسان. أبالله عليكم تعرفون اسم مصمم مولدات الكهرباء ومصصم ومكتشف المصباح الكهربائي، ولا تدرون اسم من خلق الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم. ولم يدع أحد لنفسه صناعة الشمس، ولا يوجد ابتكار في الكون إلا ومعلوم من أبدع هذا الابتكار. فالذي صنع المصباح إنما ينير به حيزا محدودا مهما كبر ضوء المصباح، وبعد محيط دائري معلوم يتلاشى الضوء ويصير الأمر إلى ظلمة، فما بالنا بالشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف نهار. إن خلق الشمس يحتاج إلى قدرة تناسب خلقها، وتحتاج إلى حكمة تناسبها، وليس لهذه الشمس محيط من الزجاج ينكسر ونغيره مثلما نفعل مع المصابيح. كان لابد للعقل البشري أن يفهم أن هذه الكائنات التي في الكون لها صانع يناسبها. ولا يمكن أن يكون صانعها من الخلق ويسكت عن حقه في صناعة هذه المعجزات، ونحن نرى بعضا من الناس في بعض الأحيان تدعي ملكية ما ليس لها، فإذا ما جاء الخالق وأبلغنا بواسطة الرسل بصناعته للكون ولم يوجد له معارض، فهل هذه الأشياء والكائنات من خلقه أو لا؟. إنها من خلقه إلى أن يوجد له معارض. هذه هي مهمة العقل أي أنه يهتدي إلى القوة التي تخلق وتدبر أمر هذا الكون ولا يغني العقل عن الرسل، ولكن العقل يؤمن في القمة الإيمانية بأن هناك قوة مبهمة عالية تناسب عظمة هذا الكون الذي طرأ عليه الإنسان، ولا يعرف اسم القوة ولا يعرف مطلوب القوة في " افعل " ، و " لا تفعل " ، ولا يعرف العقل ماذا ادخرت القوة من ثواب للمحسن وعقاب للمسيء. لذلك لابد من وجود رسول. إن الحجة - إذن - تكون من شقين: الشق الأول الخاص بالعقل هو في الإيمان بالقوة العليا المبهمة، والشق الثاني الخاص بالرسل هو الإيمان بالبلاغ عن الله اسما وصفة ومطلوبا وجزاء، وهكذا نرى فاتفقوا أيها العلماء ولا ضرورة للخلاف.

أقول ذلك حتى لا يتمادى الذي يتصيدون لدين الله وأضيف: اتفقوا أيها العلماء على أشياء محددة لأنكم تشتتون الناس بهذه الخلافات فالرسول هو الحجة في الأشياء التي لا دخل للعقل فيها. ونعرف تاريخيا أن آفة الفلسفة أنها تضع وتتخذ عددا ضيقا من المجالات لتبحث فيها، وكانت الفلسفة قديما هي أم العلوم مجتمعة، فالهندسة كانت فرعا منها، وكذلك كل الرياضيات، وأيضا المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء وكذلك أصول اللغات. لكن عندما رأى العلماء أصحاب التجارب المعملية أن الفلاسفة يدخلون في متاهات نظرية ولا يدخلون إلى مجال التجارب العلمية التطبيقية، تركوا الفلاسفة وأسسوا العلوم التجريبية منفصلة عن الفلسفة. وأنتج العلم التجريبي لنا كل هذه الاختراعات والاكتشافات المعاصرة التي تسهل علينا الحياة ونستفيد منها. لقد ظل الفلاسفة على حالهم يبحثون في النظريات بعيدين عن مجال التجارب العلمية التطبيقية. ولا تلتقي مدرسة فلسفية بمدرسة أخرى لأنهم يختلفون حيث الجهل طبيعة مسيطرة على الغيب الذي يبحثون عنه ولا يمكن الاهتداء أبدا إلى أسرار الغيب، إنما الغيب يبلغ به الرسل. والمثال الذي أضربه دائما واكرره حتى يستقر في الأذهان: لنفترض أننا نجلس في حجرة ثم دق الجرس، هنا تستوي عقولنا جميعا في أن طارقا بالباب، ولا نختلف في هذا الأمر. لكن عندما ندخل في تصور من الطارق؟ يقول واحد: " الطارق رجل " وثان يقول: " الطارق امرأة " وثالث يقول: " الطارق رجل شرطة " ورابع يقول: " صديق لنا " وخامس يقول: " بشير " وسادس يقول: " نذير " ، يحدث ذلك لأننا دخلنا إلى متاهات التصور. وأقول: هذه الأمور لا تترك للعقل، فلو أردتم راحة أنفسكم لآمنتم بالتعقل، تعقل أن هناك طارقا بالباب، ثم تتركون للطارق أن يعلن عن نفسه ويقول لكم: أنا فلان وأسمي كذا وصفتي كذا وجئت إليكم من أجل كذا، وبذلك نتفق جميعا. لكن الفلاسفة أدخلوا التصور في التعقل. ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبدا ولا مطلوبه. بل لأ بد أن يبلغ عن نفسه، فإذا انشغل العقل بأن هذا الكون العظيم لا بد له من قوة خالقة، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها؟. وإذا ما جاء رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة الخالقة اسمها الله. هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن تعرفه، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجيء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه لأن الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير من خلق الكون بهذه الدقة، وما هي مطلوبات هذه القوة؟ ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل اللغز الشاغل للبال.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٢٩