إذن القوة في المخلوق لا يعطيها أبدا لمثله، بل يعطي أثرها. مثال ذلك عندما لا يستطيع شخص أن يحمل شيئا ثقيلا، فيأتي آخر قوي ليحمله عنه، والقوي بفعله إنما يعدي أثر قوته للضعيف، لكنه لا يستطيع أن ينقل قوته إلى ذات الضعيف ليحمل الشيء الثقيل. والله لا يعدي أثر قوته فحسب ولكنه يمنح ويعطي قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوي أيضا. وسبحانه يتفضل بالغنى والسعة لكل غني وفقير وبرحمته إلى كل رحيم، وبقدرته لكل قادر، وبحكمته لكل حكيم. إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى. هذا هو كلامنا في " إنا ". وحين يتكلم الحق قائلا: " أوحينا " فهو سبحانه يأتي بصيغة الجمع. وما الوحي؟ قال العلماء الوحي: إعلام بخفاء لأن وسائل الإعلام شتى، وسائل الإعلام هي التي تنقل قولا يقوله المبلغ فيعلم السامع، أو هو إشارة يشير بها فيفهم معناها الرائي. وهذه إعلامات ليست بخفاء. بل بوضوح، وعندما يقول: " أوحينا " فهو يعني أنه قد أعلم، ولكن بطريق خفي. وحين تطلق كلمة " وحي " يكون لها معان شتى، فكل إعلام بخفاء وحي. لكن من الذي أوحى في خفاء؟ ومن الذي أوحي إليه في خفاء؟ وما الذي أوحي به في خفاء؟ نجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في أجناس الوجود، وقال عن الأرض وهي الجماد:
إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 1-5] أي أن الحق قد ضبط الأرض على مسافة زمن قيام القيامة، فتتحدث عندئذ - ولله المثل الأعلى - نحن نقدر العمر الافتراضي لما نصنع لينتهي في وقت محدد. إذن فقد أوحى الله للجماد وهي الأرض. ويترك لنا سبحانه في صناعة المخلوقين ما يقرب لنا صنعة الخالق، فعندما يريد الإنسان أن يستيقظ في الثالثة صباحا، وهو وقت لم يعتد فيه هذا الإنسان على الاستيقاظ، فهو يضبط المنبه ليصدر عنه الجرس في الوقت المحدد، كأن الإنسان بهذا الفعل قد أوحى للمنبه، كذلك الحق صنع الأرض وأوحى لها: في الوقت المحدد ستنفجرين بحكم تكويني لك. ويوحي الحق إلى جنس الحيوان:
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون
[النحل: 68] هذا إعلام بخفاء من الله للنحل. فقد جعل الله في تكوينها الغرزي ما يؤدي إلى ذلك. وهناك فرق بين التكوين الغرزي والتكوين الاختياري فالتكوين الغرزي يسير بنظام آلي لا يعدل عنه، أما التكوين الاختياري فيصح أن يعدل عنه. ومثال آخر على الآلية نجد الحاسب الآلي المسمى العقلي الإلكتروني ويقوم الإنسان بتخزين المعلومات فيه، وهذا الحاسب الآلي لا يستطيع أن يقول لواضع المعلومات فيه: لا تقل هذه الحقيقة، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعطاء ما فيه لمن يطلب هذه المعلومات إن كان يعرف كيفية استدعائها.
فلا اختيار للحاسب الآلي. ويختلف الوضع في العقل البشري الذي يتميز بالقدرة على انتقاء المعلومات ويعرف كيف يدلي بهذه المعلومات حسب المواقف المختلفة، ويتحكم بوعي فيما يجب أن يستر وفيما لا يجب ستره، بل إن العقل البشري قد يكذب ويلون المعلومات. وهو قادر على تغيير الحقائق والتحكم فيها، بينما الحاسب الآلي المسمى بعقل إليكتروني لا يقدر على ذلك لأنه يدلي بالمعلومات حسب ما تم " برمجته " به وتخزينه ووضعه فيه، وهكذا يرتقي الإنسان في الفكر. والحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق، أعطى لكل كائن الغرائز التكوينية التي تناسبه أعطى الإنسان القدرة على الاختيار بين البديلات، أما بقية الكائنات فقد أخذت حكم الغريزة. والكائن الذي يسير بحكم الغريزة لا اختيار له، ولذلك تسير كل أموره مستقيمة بناموس ثابت. ونرى هذا الأمر بوضوح في حكم قهر السماوات والأرض والكواكب التي لا اختيار لها فهي تسير حسب القوانين التي وضعها الله لها، وكذلك النبات. فالإنسان قد يزرع شجرة فتنمو بالتسخير الغرسي الذي وضعه الله فيها، وتمتد الشعيرات من الجذور في باطن الأرض لتمتص - بتسخير الله لها - بعض العناصر المحددة في التربة، وينتفع نبات ما بمادة معينة قد لا تصلح لنبات آخر. ويأتي علماء النبات ليعملوا في حقل دراسات نمو النباتات، وقد يكون بعضهم ضعيف الإيمان بالله، أو أن قدرات الخالق لا توجد في بؤرة شعوره دائما. فيقول: إن النبات يتغذى حسب خاصية الأنابيب الشعرية. وخاصية الأنابيب الشعرية - كما نعرفها - هي صعود السائل إلى الأنابيب التي تكون الواحدة منها لا يزيد قطرها واتساعها على قطر الشعرة. ويصعد فيها السائل إلى ما فوق سطح الإناء. وكل سائل في أي إناء إنما يأخذ استطراقا واحدا. وعندما نضع الأنابيب الشعرية في قلب هذا الإناء، فالسائل يصعد داخل هذه الأنابيب فوق مستوى الإناء لأن الضغط الجوي داخل الأنابيب يختلف بالنسبة لحجم المياه عنها في داخل الإناء. وظن العلماء أن النبات يتغذى بهذه الطريقة. ونقول لهؤلاء: كيف هذا والنبات يختار عناصر معينة من السائل بينما الأنابيب الشعرية يصعد فيها الماء بكل العناصر الموجودة في الماء؟. إنك أيها العالم الذي غاب الله عن بؤرة شعورك قد تدعي أن الطبيعة هي التي تفعل ذلك، ولا تلتفت إلى حقيقة واضحة وهي أن النبات ينتقي بالتسخير الرباني الخاص بعضا من العناصر الموجودة في التربة، لا بخاصية الأنابيب الشعرية. وصدق القول الحق: