تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14] فكأنه سبحانه وتعالى جعل من خلقه خالقين، لكن الخالقين من خلقه لم يخلقوا من عدم محض، وإنما كونوا مركبا من موجود في مواده. فأخذوا من مواد خلقها الله فركبوا وأوجدوا. والإنسان الذي صنع كوب الماء لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت " الكلية " في الكوب غير موجودة فجزئيات إيجاد الكوب موجودة، فالرمل موجود في بيئات متعددة، وموجود أيضا ما يصهر الرمل، والعقل الذي يأخذ تلك العناصر، والفكر الذي يصنع من الرمل عجينة، ومصمم الآلات التي تصنع هذا الكوب موجود. إذن فقد أوجد الإنسان كوبا من جزئيات موجودة. فالفارق - إذن - بين خلق الله وخلق خلق الله أن الله خلق من عدم محض، لذلك وصف ذاته بقوله: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾. فأنتم أيها البشر إنما تخلقون من مخلوقات الله ولم تخلقوا من غير مخلوق لله فهو سبحانه وتعالى أحسن الخالقين. وكما أنصف الحق خلقه بأن نسب لهم خلقا، فلا بد من أن يصف نفسه بأنه أحسن الخالقين. وأيضا إن خلق الخلق - كما قلنا وأنا لا أزال أكررها لتستقر ثابتة في الأذهان - يجمد الشيء على ما أوجدوه عليه، فيخلقون الكوب ليظل كوبا في حجمه وشكله ولونه، ولكنهم لم يخلقوا كوبا ذكرا وكوبا أنثى ليجتمعا معا وينشئا أكوابا صغيرة تنمو وتكبر، ولكن الله ينفخ بسر الحياة في كل شيء فيوجده، لذلك هو أحسن الخالقين.

ولو نظرت إلى كل شيء في الوجود لوجدت فيه سر الذات الفاعلة، فلو نظرت إلى ذات نفسك، لوجدت لك وسائل إدراك، لوجدت لك سمعا، ولوجدت لك عينا، ولوجدت لك أنفا ولمسا وذوقا ولكن لبعض الآلات تحكم في اختيارك، فأنت حين تفتح عينيك ترى وإن لم ترد أن ترى تغمض عينيك. ولكن إذا أردت الا تسمع، أتستطيع أن تجعل في أذنك آلة تقول " لا أسمع "؟ وأنت تفتح فمك لتأكل وتتذوق، ولكن أنت لا تفتح أنفك لتشم. أنت تمد يدك لتلمس. وقل لي بالله أي انفعال لك أن أردت أن تضحك؟ ما الآلة التي في بدنك تحركها لتضحك؟ أنت لا تعرف شيئا إلا سببا مثيرا يضحك، لكنك لا تعرف ما هي الآلات التي تعمل في جسمك لتضحك. وكذلك حينما تبكي ما هي الآلات التي تعمل في ذاتك لتجعلك باكيا؟ أنت لا تعرف. ولذلك جعل الله الإضحاك والإبكاء مع الإيجاد بالحياة، والعدم بالموت جعل ذلك له سبحانه وتعالى.

وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا

[النجم: 43-44] جعل الحق في ذاتك الإنسانية أشياء تفعل ولكنك لا تعرف بأي شيء تفعل ولا بأي شيء تنفعل. والأذن ليس لها ما يسدها عن السمع لذلك لا يأمرك الحق بألا تسمع أي شيء، ولكن الأثر الصالح يأمر: لا تتسمع إلى القيلة. لم يقل الأثر الصالح " لا تسمع إلا قيلة " لأن الإنسان لا يستطيع أن يصم أذنيه عما يدور حوله، لكنه يستطيع ألا يتسمع بألا يلقي بأذنيه إلى ما يقال. إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور اختيارات المسلم ولذلك قال:

وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره

[الأنعام: 68] واستخدم هنا كلمة " رأيت " لأن المسلم لا يملك شيئا يسد به أذنيه حتى لا يسمع حديث الذين يخوضون في آيات الله، لكن أمر الله الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيدا معرضين عن هؤلاء الخائضين. وسبحانه يوضح لنا ما خفي عنا، وكل شيء في الكون وإن كان ظاهره أنه " يفعل " ، لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات الله بأمر الله. ولذلك يقول العارفون بالله: من جميل إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك. فسبحانه وتعالى الذي يفعل كل شيء، وليس على الإنسان إلا توجيه الآلة الفاعلة. ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان حين يكون قويا لا يمكنه أن يعطي قوته لضعيف، فلا أحد منا يقول لضعيف: خذ قدرا من قوتي لتساعدك على التحمل، بينما يوضح الله للضعيف عمليا: تعال إلي أعطك من مطلق قدرتي قدرا من القوة لتفعل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢١٦