تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما

[الشورى: 49-50] إذن فليست المسألة مدار أسباب توجد، بل مسبب يريد أن يوجد، وأراد الحق أن يكون مجيء عيسى عليه السلام بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية، فأوجده من أم دون أب، فكان هذا آية على طلاقة قدرته، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالا على غير مراد الله، فكذبوا عيسى، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالإنجيل. ووقفوا أمام رسالته بعنف، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون، هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم، وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم للزانية، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى؟ ولماذا لم يعاقبوها حسب سريعة التوراة؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه السلام بالإنجيل ليقولوا: يا فاعل يا ابن الفاعلة. كان انتظارهم دليلا على أن ميلاد عيسى عليه السلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك، فقد نطق عيسى عليه السلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قط لأن ما حدث أمر فوق منطقها، وجهزها الله لهذا الموقف، وأمرها بالصمت عندما يسألونها، وأن تشير إلى المولود الذي في المهد:

فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا

[مريم: 29-31] وانبهروا انبهارا فتت فيهم القوى، فقوى الخصومة ساعة ترى هذا لا تجد إلا الانهيار، فألحق أبلج، والباطل لجلج. إذن كان الأمر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم، فلماذا لم يرجموا أم عيسى إذن؟. لا بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن مريم في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ﴾ وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار، وتخور قواه. هذا من ناحية اليهود، فماذا عن ناحية بعض أتباع عيسى عليه السلام؟. إن صبيا يتكلم في المهد هو معجزة بكل المقاييس، فكيف تخلو كتبهم من قول عيسى في المهد: ﴿ إني عبد الله ﴾ وكان لابد أن تكون الكلمة مدروسة بعناية، وألا تنسى. وحفظ جنود الله سبحانه وتعالى الكلمة، التي تؤكد بشرية عيسى عليه السلام. وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد، ولكننا فقط نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين، أما أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون، والمهم بالنسبة لنا أن يكون ديننا وقرآننا متضحا أمام أعيننا، ولا يجرؤ أحد أن يميل به. ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول، والبهتان هو الكذب الشرس.

فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولا، ولون من الكذب غير مقبول: فأن يقول قائل عن رجل ورع: إنه شرب الخمر، والقائل يعلم أنه كاذب، فهذا كذب ثقيل شرس، يتحير ويتعجب من يسمعه وهذا هو البهتان. ولم يستح ويمتنع اليهود حينما رموا مريم - الطاهرة بأمر الله - بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة. لقد كان ماضي مريم ناصعا عاشت في المحراب متبتلة لمن خلقها، لذلك يصف الحق هذا البهتان بأنه عظيم لأنه جرح مريم في عرضها، ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها. وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء، وأبلغ بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم، تماما مثل قضية البشارة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:

فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٠٤