يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق
[البقرة: 19] أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، وهذا دليل على أن صوت الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن، ودليل على أن ازعاج الصاعقة فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الأصبع لا بكل الأصابع. وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج. إذن فالصاعفة صوت مزعج يأتي من أعلى، وبعد ذلك ينزل قضاء الله إما بأمر مهلك وإما بنار تحرق وإما بريح تدمر ﴿ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ﴾ والظلم هو أن تجعل حقا لغير صاحبه ولا تجعل حقا لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقا من صاحبه. وسؤالهم هذا لون من الظلم لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المدرك بالمدرك. وحين تدرك شيئا بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء المدرك وحيزته بالتفصيل، وكذلك الأذن عندما تسمع الصوت، وكذلك الأنف عندما تشم الرائحة، وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة، وكذلك الذوق ليحس الإنسان الطعم. إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء المدرك إحاطة شاملة جامعة. فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا الله جهرة، فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة بالله. وحين يحيط المدرك بالمدرك، يقال قدر عليه. وهل ينقلب القادر الأعلى مقدورا عليه؟ حاشا لله. وذلك مطلق الظلم ونهايته، فمن الجائز أن يرى الإنسان إنسانا، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه المسألة إلى الله، لماذا؟ لأنه سبحانه القائل:
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
[الأنعام: 103] ومادام الله إلها قادرا فلن ينقلب إلى مقدور. ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها، فهذا معناه أن فكره قد قدر عليها. وأما إذا أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها. إذن فكل شيء يقع تحت دائرة الإدراك، يقول لنا: إن الآلة المدركة قد قدرت عليه. والحق سبحانه وتعالى قادر أعلى لا ينقلب مقدورا لما خلق. ﴿ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات ﴾. وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن يتأدبوا ولا يجترئوا على الله، ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق بهم البحر وعبره بهم تيسيرا عليهم وتأييدا لهم وأراهم معجزة حقيقية، بعد أن قالوا:
إنا لمدركون
[الشعراء: 61] فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ولا مفر من هلاكهم لأن المنطق الطبيعي أن يدركهم فرعون، وآتى الله سيدنا موسى إلهامات الوحي، فقال:
قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62] لقد لجأ موسى إلى القانون الأعلى، قانون الله، فأمره الله أن يضرب بعصاه البحر، ويتفرق البحر وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم، وبعد أن ساروا في البحر، وأغرق فرعون أمامهم، وأنجاهم سبحانه، لكنهم من بعد ذلك كله يتخذون العجل إلها!! هكذا قابلوا جميل الله بالنكران والكفران. ﴿ ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ والسلطان المبين الذي آتاه الله لموسى عليه السلام هو التسلط والاستيلاء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم، وجاءوا بالسيوف لأن الله قد أعطى سيدنا موسى قوة فلا يخرج أحد عن أمره، والقوة سلطان قاهر. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ ورفعنا فوقهم الطور... ﴾.