إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يواجه المتاعب وأراد الله بفترة الوحي أن يحس محمد حلاوة الوحي الذي نزل إليه، وأن يشتاق إليه، فالشوق يعين الرسول على تحمل متاعب الوحي عندما يجيء، ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق لم تستمر كثيرا لأن الحق قال:
وللآخرة خير لك من الأولى
[الضحى: 4] أي أن الحق أوضح لرسوله: إنك ستجد شوقا وحلاوة ولذة في أن تستقبل هذه الأشياء.
كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا
[الفرقان: 32] وهكذا كان القرآن ينزل منجما، على فترات، ويسمع الصحابة عددا من آيات القرآن. ويحفظونها ويكتبها كتاب الوحي، وبعد ذلك تأتي معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنزل سورة كاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يسرى عنه يقول للكتبة: اكتبوا هذه. ويرتب رسول الله الآيات بمواقعها من السورة. ثم يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة في الصلاة ويسمع المصلون الترتيل الذي تكون فيه كل آية في موقعها، وهذا دليل على أن المسألة مدروسة دراسة دقيقة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يحكي إنما يحكي صدقا.
وإلا فقولوا لي: كيف ينزل الوحي على رسول الله بسورة بأكملها ويمليها للكتبة، ثم يقرؤها في الصلاة كما نزلت وكما كتبها أصحابه، كيف يحدث ذلك إن لم يكن ما نزل عليه صدقا كاملا من عند الله؟ ونحن قد نجد إنسانا يتكلم لمدة ربع ساعة، لكن لو قلنا له: أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبدا الكلمات نفسها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الآيات كما نزلت. مما يدل على أنه يقرأ كتاب الله المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد. ولذلك يقول الحق:
ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا
[الفرقان: 33] أي لا يأتونك بحادثة تحدث إلا جئناك بالحق فيها. إذن لم يكن للقرآن أن ينزل منجما إلا ليثبت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تتابع الهزات التي يتعرض لها، وأراد الله أن ينشر اتصال السماء برسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلاثة والعشرين عاما التي استغرقتها الرسالة. والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه الرسول في الصلاة مثلما نزل عليه قبل ذلك دون تحريف أو تبديل، والحق يقول:
سنقرئك فلا تنسى
[الأعلى: 6] وكل حادثة تحدث ينزل لها ما يناسبها من القرآن. كما حدثت حادثة سرقة ابن أبيرق فنزل فيها الحكم والحق يقول: ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ﴾. فإذا ما علمك الله - يا رسول الله - ما لم تكن تعلم بنزول الكتاب، فهل أنت يا سيدي يا رسول الله مشرع فقط بما نزل من الكتاب؟ لا فالكتاب معجزة وفيه أصول المنهج الإيماني، ولكن الله مع ذلك فوض رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرع وتلك ميزة لم تكن لرسول قبله، بدليل قوله الحق:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7] فالرسل من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يتناولون ما أخذوه عن الله، وميز سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم بتفويض التشريع. وأوضح الحق أنه علم رسوله الكتاب والحكمة. والحكمة مقصود بها السنة، فسبحانه القائل:
واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة
[الأحزاب: 34] وسبحانه صاحب الفضل على كل الخلق وصاحب الفضل على رسوله: ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ ولنا أن نلحظ أن ﴿ فضل الله ﴾ تكرر في هذه الآية مرتين. ففضل الله الأول في هذه الآية أنه عصمه من أن تضله طائفة وتنأى به عن الحق، ثم كان فضل الله عليه ثانيا أنه أنزل عليه الكتاب بكل أحكامه وأعطاه الحكمة وهي التفويض من الله لرسوله أن يشرع.
إذن فالحق سبحانه وتعالى جعل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم امتدادا لوحيه. ولذلك إذا قيل من قوم يحاولون التشكيك في حديث رسول الله: إن الصلاة لم تأت في القرآن. نقول سائلين الواحد منهم: هل تؤدي الصلاة أم لا.؟ فيقول: إنني أصلي.. فنقول له: كم فرضا تصلي؟. فيقول: خمسة فروض. فنقول: هات هذه الفروض الخمسة من القرآن. ولسوف يصيبه البهت، وسيلتبس عليه أمر تحديد الصبح بركعتين والظهر بأربع ركعات، والعصر بمثلها، والمغرب بثلاث، والعشاء بأربع ركعات. وسيعترف أخيرا أنه يصلي على ضوء قول الرسول: