تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا أحيي وأميت

[البقرة: 258] قصد بذلك قدرته على أن يقتل إنسانا، ويترك إنسانا آخر لمسعاه. وهنا عاجله سيدنا إبراهيم بالقضية التي تبهته ولا يدخل فيها هذا التماحك اللفظي. فقال:

فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر

[البقرة: 258] أي أن النمرود سمع قولا عجيبا وليس عنده من الذكاء ما يحتاط به إلى دفعه، وكذلك الرجل الذي صنع الجريمة ثم رمى بها غيره احتاج إلى طاقة تتحمل هذا، مما يدل على أن الفطرة السليمة كارهة لفعل القبيح. فإذا ما فعل الإنسان ذنبا فقد حمل بهتانا، وإذا ما عدى ذلك إلى أن يحمله إلى بريء، فذلك يعني أن الأمر يحتاج إلى طاقة أخرى. إذن فقوله الحق: ﴿ فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ أي أنه احتمل أمرا عجيبا يبهت السامع ويتعجب كيف حدث ذلك. ويحتمل من يفعل ذلك الإثم أيضا. والإثم - كما عرفنا - هو السيئة المتعمدة. ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه القضية: إن الله سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته وبرعايته وبفضله، وإن حاول بعض من قليلي الإيمان أن يخرجوك عن هذه المسألة، وأن يزينوا لك أن تبرئ مذنبا لتجرم آخر بريئا وإن كان المذنب مسلما وإن كان البريء غير مسلم، والله لم يرسل محمدا ليحكم بين المؤمنين فقط، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن الله أرسل رسوله ليحكم بالحق: " لتحكم بين الناس " أي ليحكم بين الناس على إطلاقهم.

فإياك حين تحكم أن تقول: هذا مسلم وذلك كافر. أو تقول: هذا مسلم وذلك من أهل الكتاب، بل كل الناس أمام قضايا الحق سواء. ولذلك أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الجرعة الإيمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد، وكلمه حبيبه أسامة بن زيد في أن يرفع عنها الحد، فقال رسول الله:

" عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجرؤ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: " أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ".

هذا القول مستخلص من القضية السابقة. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٢٩