تجعل الذي حكم له يشهد أن دينك حق، فعندما يكون الحق مع الكافر، وتحكم على المؤمن بالحكم الحق الذي لا حيف فيه حتى وإن كان عقابا، فالكافر يقرع نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان على مسلم. وأيضا يعرف المسلم ساعة يحكم عليه لصالح واحد غير مسلم أن المسألة ليست نسبة شكلية إلى الإسلام، ولكنها نسبة موضوعية، فلا يظنن أحد أن الإسلام قد جاء ليحابي مسلما على أي إنسان آخر، ولكن الإسلام قد جاء ليأخذ الجميع بمنطق الحق، ويطبق على الجميع منهج الحق، وليكون المسلم دائما في جانب الحق. وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول الله. والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول الله بمثابة إستدرار السماء للأحكام، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم، ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون البحث عنه في الكتاب. لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها، ويكون الأمر أدعى للإذعان له لأنه ثبت وأيد ووثق بواقعة تطبيقية. والحكم الذي نزل هو: ﴿ إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما ﴾. وعندما يقول سبحانه " أراك " أو " علمك " فلتعلم أن تعليم الله هو أكثر تصديقا من رؤيتك الإنسانية، وكأنك تتمثل الشيء الذي يعلمه لك الله وكأنه مجسد أمامك، وليس مع العين أين. والواقعة التي حدثت هي: كان في " بني ظفر " واحد اسمه " طعمة بن أبيرق " وسرق " طعمة " درعا، وهذا الدرع كان " لقتادة بن النعمان ". وخاف " طعمة " أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع. وكان " طعمة " فيما يبدو مشهورا بأنه لص، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع، وكان الدرع في جراب دقيق. وحينما خرج به " طعمة " وحمله صار الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وتكون من الدقيق أثرا في الأرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه " زيد بن السمين " وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة، ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا: " لقد سرق ابن السمين ". وهنا قال ابن السمين: " أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي " طعمة بن أبيرق ". وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء " بنو ظفر " وهم مسلمون " وطعمة بن أبيرق " منهم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو حكمت على المسلم ضد اليهودي فستكون المسألة ضد المسلمين وسيوجد العار بين المسلمين.
ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل رسوله ليعدل منهج الغرائز البشرية. والغريزة البشرية بحسب اندفاعها وقصر نظرتها قد تتصور أن الحكم على المسلم وتبرئة اليهودي هو إضعاف للمسلمين. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يقيم الأمر بالقسط فينزل على رسوله: ﴿ إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما ﴾ [النساء: 105] أي إياك أن تقول: إن هذا مسلم ولا يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى لا تكون سبة عليه، وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي لأن هناك لصا قد ظهر من بين المسلمين. ومن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لأنه مادام قد انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب. وعقاب المسلم على خطأ هو شهادة للإسلام على أنه لم يأت ليجامل مسلما. وعلى كل مسلم أن يعرف أنه دخل الإسلام بحق الإسلام. لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق: ﴿ ولا تكن للخآئنين خصيما ﴾ قائلين: إن كان هناك لص أو خائن أو مستغل لقوته فاتركه ولا تنظر إليه ولا تلتفت حتى لا يسبب لك تعبا. ولهؤلاء نقول: لا، فسبحانه وتعالى يقول: ﴿ ولا تكن للخآئنين خصيما ﴾ و " اللام " التي في أول " الخائنين " هي للملكية أي أن الحق يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقف موقفا لصالح الخائن، بل عليه أن يخاصم لمصلحة الحق. وقد حاول العلماء أن يقربوا المسافة فقالوا: ربما لا يتنبه أحد لمسألة اللام وأنها هنا للنفعية، فيكون المنهي عنه أن يقف مسلم موقفا ينفع خائنا، بل لا بد أن يكون على الخائن وليس معه. فاللام هنا تكون بمعنى " عن ". كأن الحق يقول: ولا تكن عن الخائنين خصيما. أي لا تكن يا محمد مدافعا عن الخائنين. ولماذا لم يقل الحق " عن " بدلا من " اللام "؟ نقول: إن الغاية من الدفاع عن الخصم أن ترجح أمره وتكون له لا عليه، لذلك جاء الحق ب " اللام " هنا من أجل أن نعرف الغاية من " عن " واضحة. فاللام تفيد ألا ينفع المسلم خائنا، فلا تكون المسالة له، ولذلك جاء الحق بها إيضاحا واختصارا لنعرف أن رسوله لن يقف في جانب الخائن ولن يأتي له بما ينفعه. ولذلك قال العلماء: إن اللام هنا بمعنى " عن ". والقرآن فيه الكثير من مثل هذا. وبعض الناس يقول: لماذا لا يأتي باللفظ الواضح الذي يجعلنا نعرف المعنى مباشرة؟ ونقول: إن الملحظية هنا مفيدة لنعرف في أي صف يقف القرآن والرسول المبلغ عن ربه، مثال ذلك قوله الحق: